أخبار عاجلة
الرئيسية 08 الشبكة الاسلامية 08 الاسرة والطفل 08 التنمر المدرسي ظاهرة سيئة.. الأسباب والعلاج

التنمر المدرسي ظاهرة سيئة.. الأسباب والعلاج

 لم يكن التنمر المدرسي في الماضي ظاهرة ملموسة مُقارنة بما عليه الحال اليوم، ربما كان ذلك لإحساس الجميع بقدسية العلم وأماكنه وأدواته ورموزه، فقد كان يمارسه بعض المعلمين ونظار المدارس فحسب، لكنه بات ظاهرة تُمارس من التلاميذ والمعلمين والنظار والموظفين في الإدارات تجاه التلاميذ. 

والتنمر ظاهرة مُقلقة ليست في المدارس وحدها، ولكن – أيضا- في الشوارع والبيوت، لدرجة أنه أصبح واحدا من أهم دوافع الانتحار أو الهروب أو ارتياد العيادات النفسية، أو التسرب من التعليم. 

لذا، لا بُد من توعية المتنمر وأهله، والمحيط المدرسي والتعليمي بالآثار القاتلة لتلك الظاهرة؛ حتى يشعر الجميع بأهمية علاج المشكلة وأهمية التكاتف لتقليلها في المدارس وفي جميع الأماكن، خصوصًا أن العالم كله أصبح يشكو منها. 

 

مفهوم التنمر المدرسي وأنواعه 

يُعرّف التنمر المدرسي أو الذي يحدث في أي مكان في المجتمع بأنه أحد أشكال العنف الذي يمارسه طفل أو مجموعة من الأطفال ضد طفل آخر أو إزعاجه بطريقة متعمدة ومتكررة. وقد يأخذ التنمر أشكالًا متعددة مثل: نشر الشائعات، أو التهديد، أو مهاجمة الطفل المُتنمَّر عليه بدنيًّا أو لفظيًّا، أو عزل طفلٍ ما بقصد الإيذاء أو حركات وأفعال أخرى تحدث بشكل غير ملحوظ. 

وهذه الظاهرة السّيئة، لها أنواع مختلفة، فمنها البدني، مثل: الضرب، أو اللكم، أو الركل، أو السرقة وإتلاف الأغراض، أو اللفظي، مثل: الشتائم، والتحقير، والسخرية، وإطلاق الألقاب، والتهديد، وهناك الاجتماعي منها، مثل: التجاهل وإهمال الطفل بطريقة متعمدة، أو استبعاده، أو نشر شائعات تخصه. 

ومن بين الأنواع، النفسي، مثل: النظرات السيئة، والتربص، التلاعب وإشعار الطفل بأن التنمر من نسج خياله، وكذلك الإلكتروني، مثل: السخرية والتهديد عن طريق الإنترنت عبر الرسائل الإلكترونية، أو الرسائل النّصية، أو المواقع الخاصة بشبكات التواصل الاجتماعي، أو أن يجري اختراق الحساب. 

التنمر في ميزان الإسلام

إن التنمر المدرسي ظاهرة خطيرة تُؤثر في بناء ونشأة أفراد المجتمع، لذا حذر الإسلام منها وعمل على قطع أسبابها، قال تعالى: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَةٍ لُمَزَةٍ) [الهمزة:1]

وقال -عز وجل-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَىٰ أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) [الحجرات:11]. 

وقال – جل وعلا-: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) [الحجرات: 13].

وزخرت السنة النبوية بنصوصٍ بيّنت أنّ مِن صفات المسلم الأساسيّة أن يَسلم الآخرون من أذاه، بل جعلت هذه الصفة تعريفًا للمسلم، بحيث لا تنفك عنه، ولا ينفك عنها، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص – رضي الله عنهما- أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قال: “المسلم: مَن سلم المسلمون من لسانه ويده” (متفق عليه).

يقول ابن حجر: “هذا يقتضي حصر المسلم فيمن سلم المسلمون من لسانه ويده، والمراد بذلك المسلم الكامل الإسلام، فمن لم يسلم المسلمون من لسانه ويده فإنه ينتفي عنه كمال الإسلام الواجب؛ فإن سلامة المسلمين من لسان العبد ويده واجبة؛ فإن أذى المسلم حرام باللسان، وباليد، فأذى اليد: الفعل، وأذى اللسان: القول” (1).

وعن عبد الله بن عمر – رضي الله عنهما- قال: صعد رسولُ اللهِ – صلى الله عليه وسلم- المنبر فنادَى بصوتٍ رفيعٍ فقال: “يا معشرَ من أسلمَ بلسانهِ ولم يُفضِ الإيمانُ إلى قلبهِ، لا تُؤذُوا المسلمينَ ولا تُعيّروهُم ولا تَتّبعوا عوراتهِم، فإنه من يتبِعْ عورةَ أخيهِ المسلمِ تتبعَ اللهُ عورتَهُ، ومن يتبعِ اللهُ عورتهُ يفضحْه ولو في جوفِ رحلهِ” (سنن الترمذي).

وعن أبي هريرة رضى الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم يقول: “إن العبد ليتكلم بالكلمة ما يتبين فيها يزلُّ بها إلى النار أبعد ما بين المشرق والمغرب” (متفق عليه).

من هنا، فإنّ هذا التأصيل الشرعي يُوجب على المُعلّم ألا يُنادي طلابه بما يكرهون، كما يُوجب على أولياء الأمور أن يغرسوا في أبنائهم احترام الآخرين، وأن يتخذوا رسول الله – صلى الله عليه وسلم- قدوة في ذلك، فعن أنس – رضي الله عنه- قال: “لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا، وَلاَ لَعَّانًا، وَلاَ سَبَّابًا، كَانَ يَقُولُ عِنْدَ المَعْتَبَةِ: مَا لَهُ؟! تَرِبَ جَبِينُهُ” (البخاري).

 

مظاهر التنمر المدرسي 

ومظاهر التنمر المدرسي في أنحاء العالم تأخذ أشكالا مختلفة، وفقًا لدرجته وقوته، فيبدأ بالسخرية وقد يصل إلى القتل، كالتالي: 

  • يبدأ التنمر بالمقالب والسخرية والضحك.

  • ثمّ تتحول إلى سخافات ومضايقات.

  • ويتطور الأمر إلى العنف الجسدي والإهانة النفسية.

  • بل ربما يصل الأمر إلى الاعتداء الجنسي.

  • أو إلى إطلاق النار على الزملاء وإصابتهم أو قتلهم في بعض الوقائع. 

 

أسباب التنمر 

وتعود أسباب التنمر المدرسي في كثير في الأحيان إلى عدد من العوامل التي لا ينتبه إليها بعض أولياء الأمور والمربين، وهي: 

  • انتشار قنوات المصارعة الحرة العنيفة.

  • العنف الأسري والمجتمعي.

  • مشاهدة الألعاب الإلكترونية العنيفة.

  • انتشار أفلام العنف.

  • ومشاهدة أفلام الكرتون العنيفة.

  • كذلك، الخلل التربوي في بعض الأسر.

  • وتدهور الوضع الأخلاقي للمجتمعات. 

 

الآثار المترتبة على التنمر 

ويؤدي التنمر المدرسي وفي الشوارع والأماكن المختلفة، إلى عدد من الآثار السلبية التي لا يغفل عنها أحد، وهي: 

  • ظهور مشكلات نفسية وعاطفية وسلوكية لدى الضحية على المدى الطويل.

  • قلة النوم أو النوم بكثرة أو الصداع أو آلام المعدة.

  • يتحوّل الشخص الضحية مع الوقت إلى متنمر.

  • يزداد انسحاب الضحية من الأنشطة الاجتماعية.

  • قد يصل بالضحية إلى الانتحار، حيث أثبتت الدراسات أنّ ضحايا الانتحار بسبب التنمر في ازدياد مستمر. 

 

علاج التنمر ومواجهته 

وبعد التعرف إلى ظاهرة التنمر المدرسي وأسبابه والآثار السلبية المترتبة عليه، فإنّه من الجدير ذكره طرق العلاج وكيفية المواجهة، حيث يمكن ذلك من خلال: 

  • الاعتراف بوجود المشكلة.

  • وضع الخطط والرؤى للتعامل مع المشكلة.

  • تعبئة المؤسسات والحلقات التربوية الفاعلة في المجتمع للتعامل مع الظاهرة.

  • تدشين الحملات للتوعية بالظاهرة وطرق التعامل معها.

  • معالجة الجاني والمجني عليه.

  • وحتى نتمكن من مواجهة هذه الظاهرة، على الأهل أن ينتبهوا لأبنائهم ولسلوكياتهم.

  • ويرصدون تلك الظاهرة ويتابعُونها متابعة فعالة.

  • ويتابعوا أبناءهم إن وجدوا عليهم علامات التنمر فاعلين أو مفعولا بهم.

  • ثمّ طمأنة الأبناء والتفاعل مع الأمر.

  • ويحذر الأهل من اتهام الضحية؛ حتى لا تكون الآلام مضاعفة. 

 

أسباب العنف لدى الأطفال 

وتتلخص أسباب ظاهرة التنمر المدرسي في العنف الذي يصاب به الأطفال، نتيجة بعض العوامل، وهي: 

العوامل الأسرية: وهي أساليب التنشئة الخاطئة، مثل: القسوة، والإهمال، والتباهي باستخدام العنف، والقمع على المستوى الفكري والحركي من خلال التربية على الحلال والحرام دون تفسير، وفقدان الحنان: نتيجة الطلاق أو وفاة أحد الوالدين، وكذلك الشعور بعدم الاستقرار الأسري، نتيجة لكثرة المشاجرات الأسرية، وكثرة عدد أفراد الأسرة، وبيئة السكن حيث يُؤثر مكان السكن في مناطق مكتظة أو فقيرة على تَبَنِّي سلوك العنف. 

وهناك العوامل الاجتماعية: وهي تلعب الثقافة دورًا كبيرًا في تأسيس العنف في المجتمع، فإذا كانت الثقافة والممارسة داخل المجتمع تشجع على العنف وتفتخر به، فلا شك أن الفرد سيعتبر هذه الممارسات نوعا من أنواع البطولة.

وإذا ساد العنف في الأسرة فلا شك أنّ هذه الممارسات ستنتقل إلى المدرسة، كما أن المناطق المهمّشة والمهملة داخل المجتمع، يميل ساكنوها إلى تبني العنف نتيجة الإحباط وفقدان الفرص، والفقر – أيضًا- يعتبر من الأسباب الرئيسة في انتشار العنف، ثمّ عدم الاستقرار داخل المجتمع ويشمل نواحي العدالة والمساواة وفرص العمل مما يولد شعورًا بالغربة داخل الوطن، كذلك الحروب والغزو والاحتلال التي تُؤثر بشكل مباشر على سلوك الفرد وعلى الأطفال الذين يعانون من عدم الأمان والاستقرار، الذي يصل إلى التهجير والسلب والقتل. 

وتشكل العوامل النفسية سببًا قويًّا في انتشار ظاهرة التنمر، ومنها الإحباط عند الأطفال الذين يعانون من التهميش في المحيط الأسري، والتعرض المسبق للعنف، وحماية الذات حيث قد يستعمل الطفل العنف كوسيلة للدفاع عن النفس، وكذلك ملء أوقات الفراغ لعدم وجود أنشطة تهم الطفل وتملأ وقته وتعزّز قدراته الفكرية والجسدية وتصرف الطاقة الزائدة.

وتلعب وسائل الإعلام دورًا كبيرًا في تأسيس سلوك العنف لدى الأطفال من خلال البرامج والمسلسلات، التي تكرس مفهوم السيطرة والقتل والعدوان. 

 

علاج ظاهرة العنف 

أظهرت نتائج دراسة علمية حديثة أعدتها الباحثة منال الحميدة بجامعة الكويت وحملت عنوان “العنف لدى تلاميذ المرحلة الابتدائية في المدارس الحكومية من وجهة نظر المعلمين: المظاهر والأسباب”، أن العنف داخل المدارس يشكل خطورة كبيرة على حياة الفرد والمجتمع. 

وخلصت الدراسة إلى ضرورة اتخاذ الكثير من الخطوات لمعالجة ظاهرة العنف في المدارس وتحسين سلوك التلاميذ للقضاء على ظاهرة التنمر المدرسي أبرزها: 

  • اهتمام وزارة التربية بمكونات النظام التعليمي.

  • إقامة دورات تدريبية للمعلمين والإداريين وأولياء الأمور في فن التعامل مع المشكلات السلوكية.

  • زيادة التواصل بين المدرسة والأسرة.

  • التركيز على التنشئة الاجتماعية والتربية الأسرية واحتواء الأبناء.

  • اهتمام الأسرة أكثر بالطفل، وإبعاده عن المشكلات التي قد تكون بين الوالدين.

  • غرس القيم الدينية والأخلاقية في نفوس الأبناء وإرشادهم لحسن اختيار الأصدقاء.

  • مراقبة أولياء الأمور لأبنائهم عند استخدامهم الأجهزة الالكترونية الحديثة، وتوجيههم للبرامج التربوية المفيدة.

  • زيادة الأنشطة الرياضية والترويحية في المدارس.

  • إعادة النظر في السياسات والإجراءات المتبعة للردع، وتفعيل العقوبات في المدرسة وإجراءاتها.

  • إقامة برامج إعلامية وتلفزيونية وحملات توعوية تؤدي لنبذ العنف، وغرس قيم النظام والتعاون والتسامح بين الأطفال.

  • عدم استخدام الوالدين أو الكبار العقابَ البدني القاسي.

  • عقد الندوات والاجتماعات لمناقشة مشكلات العنف. 

المصادر: 

  • ابن حجر العسقلاني: فتح الباري (1/ 37).

  • منال الحميدة: دراسة بعنوان “العنف لدى تلاميذ المرحلة الابتدائية في المدارس الحكومية من وجهة نظر المعلمين: المظاهر والأسباب” في جامعة الكويت.

عن الشبكة نت

%d مدونون معجبون بهذه: