جاءتني وهي شبه منهارة، وبعد فترة هدأت قليلاً وبدأت في التحدث: اعذريني أختي، فقد سمعت ورأيت ما لم يخطر لي على بال، فقد كنت خارج المنزل لقضاء بعض المصالح للبيت، وعند وصولي لم يشعر بي زوجي، وقد كان في الغرفة الداخلية مشغولاً بحديث تليفوني، ولكن أثير الهواء سبحان من خلقه وسخره أوصل لي صوته في مكاني، فقد كان يتحدث مع امرأة، وفي حديثه ذكرني وأخذ يحكي لها أسراراً شخصية خاصة بي حتى أمي لا تعرفها، والجانب السيئ أنه أخذ يشكو لها مني كثيراً، وكان مما قال افتراء ولا يمت للحقيقة بأي وجه.
ظللت مكاني وقد أصبحت أسيرة للدهشة التي أحاطت بي من كل جانب، وبعد أن أنهى مكالمته خرج من الغرفة ليجدني، وساعتها فقدت الحركة والنطق لبرهة، بُهت بوجودي، وأخذ يتلعثم بالكلام، قلت له: مَن هذه المرأة التي كنت تتحدث معها بأريحية تامة؟ قال: زميلتي بالعمل، كنا نتشاور في أشياء مهمة، أنت متى وصلت؟ قلت له: منذ اللحظة التي نشرت فيها أسراري وأخذت تشكو مني لامرأة غريبة عنك ولا يحل لك أن تختلي بها في مكالمة طويلة وتستمع لصوتها منفرداً، ثم حتى تطيل المكالمة أخذت تنهش في لحمي وتتكلم كلاماً لا يليق برجل مُصلٍّ كنت أحسبه من الصالحين!
قال بعنجهية: هي زميلتي في العمل، وليست غريبة ومثل أختي تماماً، قلت له بحدة: فعلاً إن لم تستح قل ما شئت، فحدود الأخوة حددها سبحانه في كتاب الله الذي أراك تقرأ فيه، فهي ليست من المحرمات، بل غريبة عنك عندما تتعامل معها، ثم وضعت كفيها على وجهها قائلة: المصيبة أنه يدافع عن الخطأ ويتهمني بالتجسس عليه.
نظرت إليها مشفقة على حالها، فنحن بالفعل دخلنا فقاعة من الفتنة، متزينة من الخارج، ولكن في لمسها تحرق بيوتنا ولا تتركها إلا وهي خربة لا يمكن إصلاحها، فمنذ فترة ليست بالبعيدة كان رجل يكتب نفس ما قالت الأخت تقريباً، ولكن عن زوجته، وأيضاً بحجة أنه زميلها في العمل ومثل أخيها، ونرى ونسمع الكثير من التجاوزات بحجة أنه مثل أخي أو مثل أختي، والكل يعلم بيقين أنها حجة هشة متهالكة ممكن أن نسوقها للبشر للتغطية على أخطائنا، ولكن لا يصلح سردها عند لقاء الله ويوم الحساب.
ونسمع أيضاً بعض الرجال إن فكر الواحد منهم في التعدد أول ما يفعل هو الحديث عن زوجته التي ملكها بسم الله، وممكن أن تكون أم أولاده، الكثير من الشكوى وهتك الأسرار حتى يجيز لنفسه الزواج بأخرى أمام المجتمع الذي يعيش فيه، وكذلك بعض المطلقات انتقاما من طليقها تنشر بتعمد كل أسراره التي اطلعت عليها بحكم قربها منه تحت مظلة ما رأيت منه خيراً قط، وهؤلاء ينسون الفضل بينهم.
نحن عالم كالذر نسير على الأرض والله يراقبنا والملائكة وبعضها يسجل كل قول نلفظه، والجان أيضاً نحن في مجال رؤيتهم من حيث لا نراهم، فعلام الكبر والإصرار على الخطأ وتبريره؟! علاقات العمل تكون في حدود العمل مع الجنس الآخر، وعدم الخضوع بالقول أو النظر، وعدم التمتع بسماع صوت الجنس الآخر فنزيد معهم في الحديث دون داع.
زميلتك ليست طبيبة نفسية تعالج مرضك، ولا لها أي صفة في عائلتك، وكذلك زميل العمل، الأمر جد خطير ولا بد من تداركه، وهناك بعض النساء وهي مع زوجها يسرّ لها حديثاً فنجد أنها تسر لأمها الحديث قائلة: رجاء أمي لا تخبري أحداً بذلك، فتهرع الأم إلى أحب بناتها وتخبرها وتطلب منها ألا تخبر أحداً، فتهرع البنت لزوجها فتخبره وتوصيه ألا يخبر أحداً؛ فيصبح الزوج مكشوفاً وهو يظن أنه مستور!
والعلاقات الزوجية فيها من الأسرار ما فيها، ويجب ألا تخرج أسرارها من الزوجين لأي كائن كان، إلا لقاضٍ ليحكم بينهما في طلب خلع أو طلاق، ولكن للأسف أصبح حديثاً عادياً بلا حياء عند بعض الناس، وكأنه ليس لدينا منهج، وليس هناك يوم حساب، الزواج مسؤولية كبيرة وليست نزهة في حديقة، ويعتبر من أوثق العقود وأوثق العلاقات، من يضيعها على أتفه الأسباب فقد ضاع دنيا وآخرة.
تنبهت للأخت وهي تنتحب قائلة: دليني ماذا أفعل، هل أطلب منه الانفصال؟ قلت لها: أختي، نسأل الله الهداية لنا جميعاً، ولعل زوجك بعد أن فضحه الله أمامك يتوب إلى الله ويعلم، وأنت عليك بالدعاء له من قلبك، فإن بغى واستمر ليس أمامك إلا أن تحكمي حكماً من أهله وحكماً من أهلك، إن كان في نيتكما الصلح أصلح الله بينكما بحوله وقوته، ولا تحكي ما حدث على الملأ حتى لا يزيد ويعند فيضيع.
أعلم أن الأمر شاق عليك وقاسٍ جداً، وخاصة أنه مسلم مصلٍّ كما ذكرت، ولكن لعلها كبوة يقف بعدها ولا يسقط، وبالطبع لا تطلبي الطلاق هكذا وحدك معه كما تقولين، فعند الزواج أتى هو وأهله لطلبك، وكانت هناك إعدادات الزواج قد أخذت وقتاً وجهداً، وكذلك الطلاق أيضاً يأتي أحد من أهله وأحد من أهلك وأنت معززة كريمة في بيت الزوجية، وإذا قرر الحكمان الطلاق هناك أيضاً إجراءات ووقت أن تجلسي في بيتك فترة عدتك كاملة حوالى ثلاثة أشهر تقريباً، وهو ينفق عليك وتعيشا معاً طوال الفترة لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً وتوبةً نصوحاً، فالأمر في الإسلام لم يُترك هكذا لعباً ولهواً وزعلاً وضيقاً وحباً للانتقام، بل هو منهج للحياة لا يزيغ ومآله الاستقرار والراحة والأمان.
سمية رمضان
اكتشاف المزيد من موقع جزائري ثقافي شامل
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
