بمناسبة اليوم العالمي للبيئة، الذي يحل في الخامس من يونيو من كل عام، ويسلط الضوء على القضايا البيئية الملحة التي تواجه العالم، تبرز على المستوى العربي مجموعة من التحديات البيئية التي تستدعي اهتمامًا متزايدًا، ومنها إعادة تقييم السياسات الحضرية، وتعزيز الجهود الرامية إلى إقامة مدن عربية أكثر خضرة واستدامة، بما يضمن تحقيق التوازن بين التنمية الاقتصادية، والحفاظ على البيئة، وتحسين جودة حياة السكان.
تشهد المدن العربية في العقود الأخيرة نموًّا عمرانيًّا متسارعًا، نتيجة الزيادة السكانية، والتوسّع الاقتصادي، والهجرة من المناطق الريفية إلى الحضر؛ ما يفرض ضغوطًا كبيرةً على الموارد الطبيعية، فالكثافة السكانية المرتفعة والاستهلاك المتزايد للطاقة والمياه يرفعان من حجم الانبعاثات الملوثة، ويزيدان الضغط على البنية التحتية، إضافة إلى عامل ارتفاع درجات الحرارة، وما ينتج عنه من تغيرات مناخية، فضلاً عن مشكلات النقل والمرور، وتلوث الهواء، وتراكم النفايات والمخلفات الصلبة، في مقابل تراجع المساحات الخضراء.
وفي ظل هذه التحديات، التي تتقاطع فيها الأزمات البيئية والمناخية مع التحولات الاقتصادية والاجتماعية، بات من الضروري إعادة النظر في منهج تخطيط المدن، وتطوير نماذج عمرانية تعزز الاستخدام الآمن والرشيد للطاقة والمياه، والحدّ من الانبعاثات الضارة.
المدن الخضراء.. المفهوم والركائز
يشير مفهوم «المدن الخضراء» إلى نموذج تنموي يعتمد على سياسات وممارسات تقلل من الأثر البيئي للأنشطة البشرية، وتعزز كفاءة البنية التحتية والخدمات، ضمن منظومة متكاملة من السياسات البيئية والاقتصادية والاجتماعية، تعتمد على عدد من الركائز، أهمها:
1- التشجير: ففضلاً عن البُعد الجمالي للأشجار والحدائق على مشهد المدينة، فإنها تسهم في تحسين جودة الهواء، بامتصاص كميات من ثاني أكسيد الكربون وإنتاج الأكسجين، وفي خفض درجات الحرارة، من خلال عملية التبخر والنتح، وهو ما ينعكس بالإيجاب على راحة قاطني المدن، ويقلل معدلات استهلاك الطاقة المستخدمة في التبريد، كما توفر الحدائق والمتنزهات مساحات ترفيهية تعزز الصحة النفسية والجسدية للسكان.
2- إدارة النفايات: فمع توسّع المدن وتزايد أعداد السكان وارتفاع مستويات الاستهلاك، ترتفع كميات المخلفات، وفي حال عدم إدارتها بشكل جيد تتحول إلى مصدر للتلوث البيئي والأخطار الصحية المتعددة، ففي المدن الخضراء، يتم تطوير البنية الخاصة بجمع وفرز النفايات، وإشراك المجتمع في عملية إعادة تدويرها بغير الشكل التقليدي، فيما يُعرف بـ«الاقتصاد الدائري»، الذي يسعى للاستفادة من المخلفات بدلاً من التخلص منها، ويحدّ كذلك من استهلاك الطاقة.
3- النقل المستدام: بتطوير النقل العام إلى نقل صديق للبيئة، بالاعتماد على شبكات المترو والقطارات والحافلات الكهربائية الحديثة، وتقليل الاعتماد على السيارات الخاصة، ما يؤدي إلى تخفيف أزمة الازدحام المروري، وتقليل استهلاك الوقود، ومن ثم خفض الانبعاثات، إلى جانب ذلك، تزداد أهمية تشجيع وسائل النقل النشط؛ مثل المشي وركوب الدراجات، ويتطلب ذلك بنية تحتية مناسبة تشمل مسارات آمنة للمشاة والدراجات.
4- التكنولوجيا الذكية: إذ أصبحت عنصرًا أساسيًّا في تطوير المدن الحديثة، بتوفيرها حلولاً مبتكرة تساعد في إدارة الموارد بكفاءة أكبر، وتحسّن جودة الخدمات، وتقلل الأثر البيئي للأنشطة الاستهلاكية، فبات من السهل –مثلاً- خفض استهلاك الكهرباء، والحدّ من الفاقد في شبكات المياه، وتحسين كفاءة تشغيل مختلف القطاعات الحضرية، من خلال التقنيات الرقمية، كما يفتح الذكاء الاصطناعي وإنترنت الأشياء آفاقًا واسعة أمام جودة الأداء، واتخاذ إجراءات استباقية أكثر فاعلية، ورفع مستوى الشفافية وكفاءة الإدارة الحضرية.
5- الطاقة المتجددة: فالموارد الطبيعية تعد من أهم عناصر التنمية الحضرية، فتكرّس المدن الحديثة استخدامها كطاقة نظيفة، وترفع كفاءتها، لتحقيق الاستدامة، ومن معايير البناء الأخضر: تصميم منشآت أكثر قدرة على الاستفادة من الضوء الطبيعي والتهوية، وتقليل الفاقد من الطاقة، وخفض التكاليف التشغيلية.
تجارب عربية ناجحة
على غرار سنغافورة وكوبنهاجن وأوسلو وسياتل، كأفضل مدن عالمية خضراء، التي حققت توازنًا بين التطور الحضري والاستدامة البيئية، تسعى مدن عربية إلى اللحاق بها في هذا المضمار، بتطبيق معايير البناء الأخضر، وتوسيع استخدام الطاقة الشمسية.
وقد برزت منها نماذج ناجحة، طوّرت شبكات النقل العام، وشهدت مبادرات واسعة للتشجير وزيادة المسطحات الخضراء، وإعادة استخدام المياه، وتطوير أنظمة الري الذكية، كما حققت مدن أخرى تقدمًا ملحوظًا في برامج إعادة التدوير وإدارة المخلفات.
في المملكة العربية السعودية؛ شهدت مدينتا الرياض، ونيوم مشروعات جيدة للتشجير، وتوسعًا في النقل الذكي، واعتمادًا على الطاقة المتجددة، وفي الإمارات؛ تطبق مدينتا مصدر، ودبي إستراتيجيات المدن الذكية، في ترشيد استهلاك الموارد، بالاستعانة بالتقنيات الحديثة، وفي قطر تطور إدارة مدينتي الدوحة، ولوسيل، شبكات النقل العام، وتشجع إنشاء المباني الصديقة للبيئة، والأمر ذاته في المغرب الرباط، وبنجرير، ومراكش، وفي مصر العاصمة الإدارية الجديدة، والجونة، وشرم الشيخ، وفي الأردن عمّان، وإربد، والعقبة.
فرص وتحديات
في الحقيقة أن بناء مدن عربية أكثر خضرة واستدامة لم يعد خيارًا ترفيهيًّا أو مشروعًا مؤقتًا، وإنما ضرورة تنموية تفرضها ظروف العصر ومتطلبات المستقبل، من ثم، لا بد من دراسة فرص نجاح هذه المدن، والتحديات المتوقعة، ودور الحكومات والقطاع الخاص والمجتمع المدني في دعمها، فالمنطقة العربية تملك واحدة من أكبر الفرص عالميًّا لتطوير مدن خضراء؛ من حيث وفرة الطاقة الشمسية، والتوسّع الحضري السريع، الذي يخلق حاجة ملحة لإيجاد حلول تقلل التلوث وتستهلك موارد أقل.
وإذا كانت ثمة عقبات تتمثل في الجوانب المالية التي تحتاج إليها البنية التحتية المستدامة، والتحدي المناخي المتمثل في ارتفاع درجات الحرارة، وشح المياه في بعض المناطق، والضغط الناتج عن الهجرة من الريف إلى المدن؛ فإن هذا مما يحمّل الحكومات مسؤوليتها في وضع السياسات والتشريعات التي تنظِّم عملية التنمية المستدامة، إضافة إلى توفير التمويل والتقنيات اللازمة، وتأهيل الكوادر البشرية القادرة على إدارة هذه الأنظمة، ويأتي كلٌّ من القطاع الخاص والمجتمع المدني كشريك للحكومات، في تنفيذ التحول إلى المدن الخضراء، وكلما ارتفع مستوى الوعي البيئي لدى الأفراد والمجتمعات المحلية؛ ازدادت فرص نجاح السياسات والمبادرات البيئية.
عامر شماخ
اكتشاف المزيد من موقع جزائري ثقافي شامل
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
