تتجه إثيوبيا نحو إجراء الانتخابات العامة المقررة في الأول من يونيو 2026م، في واحدة من أكثر المحطات السياسية حساسية منذ وصول رئيس الوزراء آبي أحمد إلى السلطة عام 2018م، ولم تعد الانتخابات مجرد استحقاق دستوري، بل تحولت إلى اختبار حقيقي لمشروع إعادة تشكيل الدولة الذي يقوده حزب الازدهار، وسط تحديات أمنية وتعقيدات سياسية وانقسامات حزبية تلقي بظلالها على المشهد الانتخابي.
ومع اقتراب موعد الاقتراع، أعلن المجلس الوطني للانتخابات في 24 أبريل 2026م تسجيل أكثر من 50.5 مليون ناخب، إلى جانب مشاركة 47 حزبًا سياسيًا، وأكثر من 10 آلاف مرشح للمجالس الفيدرالية والإقليمية، مع إنشاء نحو 45 ألف مركز اقتراع، بينها 17 ألف مركز إلكتروني.
ورغم هذه الاستعدادات، لا تزال قوى معارضة تشكك في قدرة المؤسسات الانتخابية على توفير بيئة تنافسية عادلة، في ظل استمرار النزاعات المسلحة في بعض الأقاليم، واتهامات للحكومة باستخدام مؤسسات الدولة لترجيح كفة الحزب الحاكم.
ويرى مراقبون أن الانتخابات الإثيوبية السابعة تأتي في سياق مختلف عن سابقاتها، بعد التحولات السياسية التي شهدتها البلاد منذ عام 2018م، التي بدأت بتفكيك الائتلاف الحاكم السابق الذي قاد البلاد منذ عام 1991م، قبل تأسيس حزب الازدهار عام 2019م.
غير أن هذا التحول اصطدم سريعًا بتعقيدات النظام الفيدرالي الإثني الذي قامت عليه الدولة الإثيوبية خلال العقود الماضية؛ ما أدى إلى تصاعد التوترات مع قوى سياسية وإثنية عدة، خاصة في إقليمي أوروميا وأمهرا، إضافة إلى القطيعة مع جبهة تحرير شعب تيغراي، القوة الرئيسة السابقة في الائتلاف الحاكم بين عامي 1991 و2018م.
المسلمون.. من التهميش إلى التأثير
وسط التحولات السياسية التي شهدتها إثيوبيا خلال السنوات الأخيرة، برزت الكتلة الإسلامية كأحد أبرز العوامل المؤثرة في المشهد الانتخابي، بعدما انتقل المسلمون من هامش التمثيل إلى مساحة أوسع من المشاركة المؤسسية والاجتماعية منذ وصول رئيس الوزراء آبي أحمد إلى السلطة، في ظل تنامي أهمية أصواتهم ككتلة انتخابية مؤثرة بعد سنوات من التهميش وضعف الحضور داخل مؤسسات الدولة.
ويقول أحمد إبراهيم، الصحفي المختص في شؤون القرن الأفريقي: إن طبيعة إثيوبيا متعددة القوميات والأديان تجعل أي استحقاق انتخابي مرتبطًا بقدرة السلطة على إدارة هذا التنوع الحساس، مشيرًا إلى أن الحزب الحاكم يتعامل ببراغماتية مع مختلف المكونات الدينية والقومية بهدف توسيع قاعدته الشعبية.
وتشير التقديرات إلى أن المسلمين يشكلون نسبة كبيرة من سكان إثيوبيا البالغ عددهم أكثر من 120 مليون نسمة؛ ما يمنحهم ثقلاً انتخابيًا مؤثرًا، خاصة في الأقاليم ذات الكثافة الإسلامية.
ويضيف إبراهيم أن السنوات الأخيرة شهدت اتساعًا في مساحة الحضور الاجتماعي والسياسي للمسلمين؛ الأمر الذي دفع الحزب الحاكم إلى السعي لكسب دعم هذه الشريحة، باعتبارها من أكثر الكتل القادرة على ترجيح نتائج الانتخابات حال مشاركتها بكثافة.
وفي السياق ذاته، أشار ياسين أحمد، رئيس المعهد الإثيوبي للدبلوماسية، إلى تصريحات سابقة لآبي أحمد تحدث فيها عن نسبة المسلمين، إلى جانب ما تحقق من مكاسب مؤسسية، مثل الاعتراف الرسمي بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وتأسيس البنوك الإسلامية.
ويرى ياسين أن هذه التطورات تعكس تحولًا في طبيعة العلاقة بين الدولة والمسلمين، مؤكدًا أن الحزب الحاكم يراهن على هذه الكتلة الكبيرة التي شعرت بقدر من الإنصاف خلال السنوات الأخيرة، مع سعيه لتقديم نفسه بوصفه ضامنًا للحقوق الدينية في مواجهة الاستقطابات القومية الضيقة.
الازدهار.. بين تجديد الشرعية ورهان الكتلة الإسلامية
في الوقت الذي يسعى فيه حزب الازدهار إلى تجديد شرعيته السياسية وترسيخ مشروعه القائم على تجاوز الانقسامات الإثنية، تتجه الأنظار نحو الكتلة الإسلامية باعتبارها واحدة من أكبر الكتل الديموغرافية وأكثرها تأثيرًا في الانتخابات المقبلة، خاصة في أقاليم أوروميا والصومال الإثيوبي وعفار.
ووصف ياسين أحمد، الانتخابات الإثيوبية السابعة بأنها محطة مفصلية واختبار بقاء للدولة الفيدرالية، في ظل مساعٍ للانتقال من الفيدرالية الإثنية إلى نموذج يقوم على المواطنة الإثيوبية الجامعة، مشيراً إلى أن استمرار النزاعات، خصوصًا في أمهرا وأوروميا، يجعل الانتخابات أداة لاستعادة الشرعية السياسية أكثر من كونها استحقاقًا ديمقراطيًا تقليديًا.
ورغم أن المسلمين لا يصوتون ككتلة موحدة بسبب التداخلات الإثنية والجغرافية، فإنهم يمثلون كتلة ترجيحية قادرة على التأثير في نتائج العديد من الدوائر الانتخابية.
مكاسب مؤسسية وتحول في التمثيل
يُعد الاعتراف المتزايد بالمجلس الأعلى للشؤون الإسلامية من أبرز التحولات التي شهدها المسلمون في عهد حكومة آبي أحمد، خاصة بعد تنظيم أول انتخابات داخلية واسعة للمجلس في أغسطس الماضي بمشاركة تجاوزت 13 مليون مسلم؛ ما منح المؤسسة شرعية شعبية غير مسبوقة، كما سمحت الحكومة بإنشاء بنوك إسلامية وتوسيع أنشطة التمويل الإسلامي، إلى جانب دعم مؤسسات تعليمية ودينية شمل افتتاح جامعات وكليات إسلامية في عدد من الأقاليم والمدن الرئيسية.
ورغم هذه التحولات، لا يزال التأثير السياسي للمسلمين يواجه تحديات تتعلق بغياب تمثيل سياسي موحد، واستمرار هيمنة البعد الإثني على النظام الفيدرالي والحياة الحزبية في البلاد.
ويرى ياسين أحمد أن سعي الحزب الحاكم للاستفادة من القاعدة الإسلامية الواسعة يضع المسلمين أمام معادلة معقدة بين الحفاظ على المكاسب التي تحققت والانتماءات العرقية والجهوية، موضحًا أن الناخب المسلم في إثيوبيا تحكمه اعتبارات قومية ومحلية بقدر ما تحكمه الهوية الدينية؛ ما قد يؤدي إلى تباين توجهات التصويت، خاصة في ظل استمرار الأزمات الأمنية في بعض الأقاليم.
المنافسة.. تفوق تنظيمي أمام معارضة منقسمة
لا يزال حزب الازدهار يمثل القوة السياسية الأكثر تنظيمًا وانتشارًا في إثيوبيا، مستفيدًا من سيطرته على مؤسسات الدولة وبنيته التنظيمية الممتدة في مختلف الأقاليم، منذ فوزه الكاسح في انتخابات 2021م، فيما تعاني المعارضة من ضعف التمويل والانقسامات التنظيمية وتراجع التأثير الشعبي.
وتخوض المعارضة الانتخابات وسط انقسام حاد بين أحزاب اختارت المشاركة وأخرى أعلنت المقاطعة احتجاجًا على الأوضاع الأمنية والسياسية، إذ تتهم قوى معارضة الحكومة بالسعي إلى تكريس هيمنة حزب الازدهار عبر انتخابات تفتقر لظروف التنافس العادل، بينما ترى أحزاب أخرى أن المشاركة تبقى الخيار الأفضل لعدم ترك الساحة بالكامل للحزب الحاكم.
ويرى أحمد إبراهيم أن التصعيد في شمال إثيوبيا يلقي بظلاله على المشهد الانتخابي، كاشفًا أزمة أعمق تتعلق بطبيعة النظام السياسي وحدود مشاركة المعارضة، في ظل مخاوف متزايدة من إجراء الانتخابات في بيئة تفتقر إلى الاستقرار الأمني والسياسي، مع استمرار النزاعات وتراجع الثقة بين الحكومة الفيدرالية وبعض الأقاليم.
في المقابل، تسعى الحكومة إلى تقديم الانتخابات باعتبارها خطوة لتعزيز الاستقرار وإعادة بناء الشرعية السياسية بعد سنوات من الحرب والاضطرابات الداخلية.
ويرجح ياسين فوز حزب الازدهار بالأغلبية، مستندًا إلى قوته التنظيمية وغياب بديل وطني موحد، إلى جانب ميل قطاعات واسعة من الناخبين إلى تفضيل الاستقرار في ظل حالة الاضطراب، مع احتمال صعود تيارات محلية في بعض الأقاليم المضطربة.
ويختتم ياسين بالتأكيد أن إثيوبيا بحاجة إلى سياسة الشمول لا سياسة الغلبة، معتبرًا أن نجاح الانتخابات لا يقاس فقط بنتائج صناديق الاقتراع، بل بقدرتها على إنتاج توافق وطني شامل ينهي النزاعات المسلحة ويؤسس لاستقرار طويل الأمد.
اكتشاف المزيد من موقع جزائري ثقافي شامل
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
