أخبار عاجلة
الرئيسية 08 الشبكة الاسلامية 08 شبكة المقالات 08 الانهزام النفسي.. آثار وعلاج

الانهزام النفسي.. آثار وعلاج

الانهزام النفسي آفة كبرى تصيب النفس الإنسانية فتذهب بقوتها وقدرتها على الفعل الإيجابي، وهو داء يجب على المربي التصدي له وعلاجه في نفس المتربي؛ حتى تعود نفسه قوية متماسكة، فتكون أهلا لتقبل الخير والعمل به، ويزخر تراثنا الإسلامي بالكثير من المواقف التي تُوجه المُرَبي والمُتَربي إلى كيفية التعامل الصحيح لتلافي هذا الداء والوقاية منه وعلاجه في حال وجوده. 

إنّ هذه الآفة تتسبب في استصغار النفس الخيّرة، وانكسارها أمام ما يمليه عليها أعداؤها من النفس الأمارة بالسوء، وشياطين الإنس والجن، والدنيا بشدائدها، وامتحاناتها، وبريقها، وزخارفها وزيناتها، بصورة تُشعرها أنها ليست أهلا لعمل أي برٍّ أو معروفٍ، حتى وإن كان هذا البر وذلك المعروف بسيطًا أو يسيرًا. 

 

مظاهر الانهزام النفسي 

ويُمكن التعرف إلى مظاهر الانهزام النفسي الذي قد يصيب البعض من الناس فيحول حياتهم من حالة الاستقرار إلى السقوط المتكرر، ومن هذه المظاهر: 

1 – الخوف من الباطل، والانقياد له في كل ما يقول، وما يفعل، بدعوى أنه يملك كل شيء، ونحن مهما أوتينا من قوة، ومن سلطان فلن نعمل شيئًا، وبالتالي فلن نُغير شيئًا.

2 – الخضوع والانقياد والاستسلام للأهواء، وما يمليه شياطين الجن والإنس، والدنيا ببريقها وزخارفها، بدعوى عدم القدرة على المواجهة.

3 – اعتزال المجتمع، بل الهجرة إلى الأماكن النائية بعيدًا عن الناس اعتمادًا على الدعوى التي قدمنا، واحتجاجا بقول النبي – صلى الله عليه وسلم-: “يُوشِكُ أنْ يَكونَ خَيْرَ مَالِ المُسْلِمِ غَنَمٌ يَتْبَعُ بهَا شَعَفَ الجِبَالِ ومَوَاقِعَ القَطْرِ، يَفِرُّ بدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ” (صحيح البخاري) . 

4 – القعود عن العمل لدين الله، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، ومجاهدة الكفار والمنافقين الذين يصدون عن سبيل الله، ويبغونها عوجا، بدعوى أنّ الشّر قد تفشّى وانتشر، وأنّ المنكر قد استفحل وتمكّن، ومهما عملنا فلن نُغيِّر شيئًا، ولن نجني سوى التّعب والمشقة. 

واستصغار النفس، والاستهانة بها أمام دور الإنسان، بل المسلم ورسالته في هذه الأرض، قبيح مذموم نفى عنه الشارع الحكيم، إذ يقول الله – تبارك وتعالى-: {وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنْ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ} (النساء: 104). 

ويقول – جل وعلا-: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ * فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنْ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللَّهِ وَاللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ * إِنَّمَا ذَلِكُمْ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (آل عمران: 173-175).

وفي حديث لأبي سعيد الخدري – رضي الله عنه- أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم-، قال: “ألَا لا يَمنَعَنَّ أحَدَكم رَهْبةُ النَّاسِ أنْ يقولَ بحَقٍّ إذا رَآهُ أو شَهِدَه؛ فإنَّه لا يُقرِّبُ من أجَلٍ، ولا يُباعِدُ من رِزْقٍ؛ أنْ يقولَ بحَقٍّ أو يُذكِّرَ بعَظيمٍ” (الترمذي). 

 

الانهزام النفسي وطلب الولاية 

وانطلاقا من نهي الشارع الحكيم عن الانهزام النفسي والضعف، زكّى يُوسف الصديق عليه السلام نفسه، فقال: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} (يوسف: 85). 

يقول ابن عطية – رحمه الله-: “وطلب يُوسف للعمل إنما هي حسبة منه – عليه السلام- لرغبته في أن يقع العدل، فجائز للفاضل أن يعمل، وأن يطلب العمل إذا رأى ألا عِوض عنه، وجائز – أيضًا- للمرء أن يُثني على نفسه بالحق إذا جهل أمره”.   

ورأى الألوسي – رحمه الله- أنّ “فيه دليل على جواز مدح الإنسان نفسه بالحق إذا جهل أمره، وجواز طلب الولاية إذا كان الطالب ممّن يقدر على إقامة العدل وإجراء أحكام الشريعة، وإن كان من يد الجائر أو الكافر، وربما يجب عليه الطلب إذا توقف على ولايته إقامة واجب مثلا، وكان متعينا لذلك”. 

وفي الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن سمرة، قال: قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم-: “يا عبد الرحمن، لا تسأل الإمارة فإنك إن أوتيتها عن مسألة وكلت إليها، وإن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها..” (البخاري)، ومدح النبي – صلى الله عليه وسلم- نفسه بقوله: “أنا سيد الناس يوم القيامة”، “أنا أكثر الأنبياء تبعا يوم القيامة”، إلى آخر ما جاء عنه في هذا الشأن. 

يقول ابن حجر في شرح هذا الحديث: “وفيه جواز تحدث الرجل بمناقبه عند الاحتياج إلى ذلك لدفع مضرة أو تحصيل منفعة، وإنما يكره ذلك عند المفاخرة، والمكاثرة، والعجب” . 

أمّا التواضع أمام نعمة الله وعظمته، فمرغوب فيه، قال الحق – تبارك وتعالى-: {وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمْ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا} (الفرقان: 63)، وقال – عز وجل-: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمْ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (آل عمران: 123). 

ومدح النبي – صلى الله عليه وسلم- ذلك في قوله: “الكيس من دان نفسه، وعمل لما بعد الموت، والعاجز، من أتبع نفسه هواها، وتمنى على الله الأماني” (الترمذي) .   

وانطلاقا من دعوة الشارع الحكيم إلى هضم النفس، وأنها لا تساوي شيئا في جنب عظمة الله، ونعمته، جاءت الأخبار عن السلف تُؤكد التواضع لله، وعدم الترفع على عباده بحال. 

 

آثار هزيمة النفس 

وآثار الانهزام النفسي ضارة وعواقبه مهلكة، سواء على العاملين، أو على العمل الإسلامي: 

أ- فأمّا على العاملين، فإنّ أهمها:

1 – مداهنة الظالمين والارتماء في أحضانهم: ذلك أنّ مَن ابتلى باحتقار النفس يتصور أنّ الظالمين والجبارين بمقدورهم أن يعملوا له شيئا، فيداهنهم بل ويرتمي في أحضانهم، على نحو ما نشهده في عالم المسلمين اليوم من مداهنة وانحناء يعض القيادات، خوفًا من الظالمين المتجبرين، وأولئك في حقيقة الحال لا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا، ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، فضلا عن أن يملكوا ذلك لغيرهم من الخلق.

2 – زيادة الرصيد من الإثم: وذلك أنه باحتقاره أو انهزامه نفسيًّا قد فتح الباب أمام كثيرين ممن لديهم استعداد للوقوع في مثل هذه الآفة كي يحاكوه، ويصنعوا مثله، سيّما إذا كان هو في موقع الأسوة والقدوة ويتحمل هو إثم هؤلاء جميعًا.

3 – الخسران المبين في الآخرة ما لم يتب: إذ هو بتضييعه لنفسه ولغيره، قد حمَل وزرًا وإثمًا عظيمًا ويلقى ربه بهذا كله، وإذا بقي على ذلك دون إقلاع أو توبة تكون النار والعياذ بالله، وهذا هو الخسران المبين حقًّا، إلا أنّ تتداركه رحمة الله، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ لَهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ ظُلَلٌ مِنْ النَّارِ وَمِنْ تَحْتِهِمْ ظُلَل} (الزمر: 15).

ب – وأما على العمل الإسلامي فالآثار كثيرة أيضا، أهمها:

1 – قلة كسب الأنصار والمؤيدين: ذلك أنّ الناس يتأثرون ويقتدون بالأقوياء الواثقين من أنفسهم وبربهم ومناهجهم، أمّا المنهزمين نفسيًّا فإن الناس لا يلتفتون إليهم، ولا يستجيبون لهم، وبذلك يقل حجم الأنصار والمؤيدين.

2 – الفرقة والتمزق: حيث وجود الهزيمة النفسية في داخل الصف يُحدث انقسامًا فيه، ما يفتح الباب أمام المتربصين من أعداء الله للولوج، والإطباق والتطويق.

3 – التعثر وطول الطريق وعدم تحقيق الأهداف: وهذا شيء بديهي ونتيجة حتمية طبيعية لقلة كسب الأنصار والمؤيدين، ولشيوع الفرقة والتمزق. 

 

علاج ضعف النفس وانهزامها 

وعلاج الانهزام النفسي ممكن ويسير إذ رغب المريض في التخلص منه، لينعم بنفسٍ قوية تأبى الضيم والظلم، ومن ذلك: 

  • اقتناع المريض بأنه مصاب بمرض يجب العلاج منه، ولا بُد من وجود النية والإرادة لفعل ذلك، وتقبل النصح من الغير، وتنفيذ العلاج والوصفة. 

  • اللجوء إلى الله والصبر على ما قدره – سبحانه وتعالى-، وسؤاله الفرج؛ فمن رحمة الله بنا أنه يعلم ألا طاقة لنا بجهاد أنفسنا، ويعلم أننا لا نستطيع أن نقف بمفردنا أمام أسلحتها ومغرياتها.

  • يطلب المصاب بهذا المرض من بعض أصدقائه المخلصين أن يبصروه بأخطائه وعيوبه، ليبدأ العلاج الصحيح.

  • أن يبني نفسه وعقله وقلبه، فالعقل ينمو وتتسع مداركه بالعلم، وبغيره لن يستطيع الإنسان أن يعبد الله على بصيرة.

  • الخوف من الله ومراقبة النفس، ومحاسبتها عند الضرورة.

  • مصاحبة الأخيار الصالحين الذين يعينون على عبادة الله وطاعته، والأخذ إلى طريق الله رب العالمين، والتذكير بالطاعات، والنهي عن المخالفات.

  • قراءة سيرة النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم- والاطلاع على أخلاقه الكريمة، وأخلاق أصحابه الكرام، ومحاولة الاقتداء بهم؛ قال الله – تعالى-: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا} [الأحزاب: 21].

 

المصادر: 

  • اعتمد هذا المقال على كتاب آفات على الطريق للدكتور سيد نوح.

  • محمد بن إسماعيل البخاري: الجامع الصحيح، دار المصطفى، دمشق، 2016 م.

  • مسلم بن الحجاج النيسابوري: صحيح مسلم، دار الكتب العلمية، بيروت، 2010 م.

  • أحمد بن علي النسائي: سنن النسائي، دار الغد الجديد، المنصورة 2014 م.

  • محمد يوسف الكاندهلوي: حياة الصحابة، دار التقوى، القاهرة 2014 م.

  • الانهزام النفسي: أسبابه وعلاجه https://bit.ly/3ETNYjw.

عن الشبكة نت

%d مدونون معجبون بهذه: