بعدما رسخت الآية الأولى قاعدة البناء ببيان مصادر التشريع، وضبطت النفوس بتقرير الأدب مع الله عز وجل، جاءت الآية الثانية لتضع أول لبنة في بناء أخلاق المسلم تجاه مبلغ التشريع، وهو النبي صلى الله عليه وسلم، سواء في حياته وبعد مماته.
يقول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لَا تَشْعُرُونَ) (الحجرات: 2)، فما دلالات هذه الآية؟ ولماذا هذا التحذير الشديد؟ وما تمثلاتها في الواقع الحالي؟ هذا ما سنتناوله في هذا المقال.
أولًا: دلالات الآية وسبب شدة التحذير:
حذرت الآية من إحباط الأعمال كلها بسبب انعدام الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يُقال: لماذا كل هذا التشديد في مجرد رفع الصوت أو الجهر بالقول؟ ولا يمكن الجواب عن هذا السؤال دون فهم دلالات الآية، وأهمها أن:
1- توقير النبي وتعظيمه أصل الإيمان:
النداء بلفظة «آمنوا» يُفهم المؤمن بأن الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم ليس مجرد سلوك هامشي، بل هو أصل من أصول الإيمان، بدليل أن غيابه قد يؤدي إلى حبوط العمل، ومن المعلوم أن حبوط الأعمال كلها سببه الكفر؛ أي انتفاء أصل الإيمان، كما جاء في قول الله تعالى: (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) (الزمر: 65).
فالأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم إذًا دليل على ما وقر في القلب من تعظيم ومحبة لله، لأن من عظّم الرسول صلى الله عليه وسلم فقد عظّم المُرسِل، يقول الله تعالى: (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) (آل عمران: 31)، فكل سلوك تجاه النبي صلى الله عليه وسلم هو في الأصل دلالة عملية على ما استقر في القلب من إيمان بالله عز وجل.
2- مقام النبوة يعلو عن أي مقام بشري:
فصلت الآية أن النبي صلى الله عليه وسلم ليس كأحد الناس، فلا يعامل معاملة العامة، بل له مقامه الخاص الذي يوجب له من الأدب والتوقير والطاعة ما لا يجب لغيره، فتكون أوامره وأحاديثه لها وزنها وطاعته فيها مطلقة، والتشبيه بـ«جهر بعضكم لبعض» فيه إشارة إلى أن مساواة النبي صلى الله عليه وسلم بغيره في الخطاب أو التعامل هو تنقص من قدره، وهذا لا يليق بمقام النبوة الذي شرفه الله به، وقد ناداه بأجلّ الألقاب وأعلى المنازل حتى في مقام العتاب، مثل قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ) (التحريم: 1).
ولأهمية هذه القضية فقد تكرر بيانها في آيات كثيرة، منها قول الله تعالى: (لَّا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا ۚ) (النور: 63)، وهذا كله مما يغرس في نفس المؤمن مهابة النبي صلى الله عليه وسلم وعلو مقامه، فيكون باعثاً على الاستسلام لأمره والاقتداء به.
3- التحذير من الأدنى دلالة على التحذير من الأعلى:
هذا الأمر بضبط اللسان يعتبر تثبيتًا وتأكيدًا لأدب عدم التقدم بين يدي الله ورسوله الذي أقرته الآية الأولى، فمن كان حريصاً على ألا يرفع صوته، وألا يجهر بقول بحضرة النبي صلى الله عليه وسلم، فمن باب أولى يكون حريصاً على ألا يتقدم على الشريعة برأيه وأفكاره وهواه.
فإذا كان رفع الصوت -وهو فعل ظاهري- قد يُحبط العمل، فما بال بالأعظم منه وهو التقدم على حكم الله ورسوله بالفعل والرأي والقرار؟! وهذا يُشعر المؤمن بأن الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم متكامل، لا ينفصل ظاهره عن باطنه، ولا قوله عن فعله، ومن ضبط لسانه بحضرته، كان أقدر على ضبط قلبه وجوارحه كذلك.
4- مركزية الأدب مع مقام النبوة:
اشتملت الآية على ضابطين متكاملين؛ ضبط الصوت بـ«لَا تَرْفَعُوا»، وضبط أسلوب القول بـ«وَلَا تَجْهَرُوا»، وهذا التفصيل القرآني يبيّن مركزية الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا التدقيق يُوجب على المسلم أن يراجع نفسه في أدبه مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلا يتساهل في صغيره فضلًا عن كبيره، فخفض الصوت وحسن القول معاً هما تمام الأدب، ومن أخلّ بواحد منهما فقد أساء في حقه صلى الله عليه وسلم.
فإذا تقرر هذا، تبين أن شدة التحذير إنما جاءت لأن المسألة ليست مجرد آداب شكلية، بل هي:
1- حفظ لمكانة الوحي وتعظيم الشريعة في النفوس.
2- ترسيخ لمكانة النبي صلى الله عليه وسلم في القلوب، فلا يُنزل منزلة أحد من الناس.
3- حماية حرمة النبوة، فكما أن لله عز وجل حرمة، فكذلك رسوله صلى الله عليه وسلم له حرمة يجب صيانتها.
4- تنبيه المؤمنين إلى أن الأدب مع النبي صلى الله عليه وسلم ليس شأناً ثانوياً، بل هو من أصل الإيمان.
ثانيًا: تمثلات الآية بين الماضي والحاضر:
نزلت هذه الآية بسبب رفع بعض الصحابة أصواتهم عند النبي صلى الله عليه وسلم، وكان من بينهم أبو بكر، وعمر، رضي الله عنهما، فقد كانا بحضرته يتناقشان في أمر وفد بني تميم، وارتفعت أصواتها، فنزلت الآية تأديبًا وتحذيرًا من خطورة هذا السلوك، ولكن هل انتهى الأمر عند هذه الواقعة؟
فالجواب أن رفع الصوت على النبي صلى الله عليه وسلم لم يتوقف عند الصحابة الذين كانوا بحضرته، بل تجددت صوره في كل عصر، وإن اختلفت الأدوات، وهذه بعض صوره في العصر الحالي:
1- رفع الصوت على رواية سنته:
مثل رفع الصوت عند سماع أحاديثه، فلا يُنصت لها، أو يُستخف بها، أو تُقدم عليها آراء العصر وعاداته، أو يُسخر من المتمسكين بها، ظناً أن عصره أرقى من زمن النبوة، وهذا من أخطر الصور، فقد قال الله تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) (الحشر: 7).
2- الجهر بالقول في حقه:
كأن يُذكر اسمه مجرداً دون ألقاب التعظيم، أو يُقارن حديثه بحديث غيره من البشر كأنهم متساوون، أو تُحاكم أفعاله صلى الله عليه وسلم كما تُحاكم أفعال القادة والرؤساء، وهذا من الجهر الذي حذرت منه الآية الكريمة: (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُم بَعْضًا) (النور: 63).
3- رفع الصوت عند قبره:
فحرمة النبي صلى الله عليه وسلم في حياته مثل مماته، فيجب عدم رفع الصوت عند قبره، فقد ثبت أن عمر بن الخطاب أنكر على رجلين رفعا أصواتهما في مسجده صلى الله عليه وسلم، وقال لهما: «لَوْ كُنْتُمَا مِنْ أَهْلِ البَلَدِ لَأَوْجَعْتُكُمَا، تَرْفَعَانِ أَصْوَاتَكُمَا فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم» (رواه البخاري، 470).
4- الاستهزاء بمظاهر سُنته:
ويكون بالسخرية من مظاهر السنن الظاهرة كاللحية، أو الحجاب، أو غيرها من شعائر الإسلام، كما يحدث في بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، وهذا من الجهر بالقول في حقه صلى الله عليه وسلم؛ لأن الاستهزاء بسنته استهزاء به وبمن جاء بها، قال الله عز وجل: (وَإِذَا رَأَوْكَ إِن يَتَّخِذُونَكَ إِلَّا هُزُوًا أَهَٰذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا) (الفرقان: 41)، فمن استهزأ بسُنته فقد استهزأ به صلى الله عليه وسلم.
5- التفاخر بترك السنن:
وهو أن يتباهى البعض بترك بعض السنن، وهذا من الجهل بقدر السُّنة وعظمتها، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «مَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي» (رواه البخاري، 5063)، فالمسلم الحق يستحيي أن يتفاخر بترك الهدي النبوي الشريف، بل يشهد بفضله ويرجو فعله ولو لم يعمل به.
اكتشاف المزيد من موقع جزائري ثقافي شامل
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
