يجد آلاف الأطفال في قطاع غزة أنفسهم مضطرين إلى العمل لمساعدة أسرهم على مواجهة الظروف المعيشية القاسية التي فرضها العدوان «الإسرائيلي» المستمر وتدهور الأوضاع الاقتصادية.
فمع تضرر أكثر من 90% من المدارس وفق ما أكدت وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين (أونروا)، وتحول العديد منها إلى مراكز إيواء لاحتضان النازحين، وانقطاع العملية التعليمية لأكثر من عامين، اتجه كثير من الأطفال إلى العمل في الأسواق، وجمع المواد القابلة لإعادة التدوير، وبيع السلع البسيطة، أو مساعدة أسرهم في أعمال مختلفة لتوفير جزء من احتياجات الحياة اليومية.
شهادات حية من أطفال غزة
الطفل ساهر عودة (13 عاماً) أصبح يجمع البلاستيك والخردة بعد أن فقد والده مصدر رزقه، يقضي ساعات طويلة في البحث بين أنقاض المنازل والبنايات التي دمرها الاحتلال، بينما يحتفظ بدفاتره القديمة داخل خيمته أملاً في العودة إلى المدرسة يوماً ما.
يقول لـ«المجتمع»: بعد أن دمر الاحتلال مدرستي ومعظم المدارس في مدينة غزة، وفي ظل الظروف الاقتصادية الصعبة، وجدت نفسي مضطراً لمساعدة أسرتي في توفير الطعام والشراب لأخواتي الصغار، ما زلت محتفظاً بدفاتري وحقيبتي المدرسية، على أمل أن تعود الحياة التعليمية كما كانت قبل الحرب.
بينما يحاول الطفل محمد رجب التوفيق بين حضور نقطة تعليمية مؤقتة قريبة من خيمته والعمل لعدة ساعات يومياً في بيع الخبز والمعجنات، وغيرها كثير من القصص تعكس معاناة آلاف الأطفال الذين يواجهون خطر فقدان حقهم في التعليم بسبب الظروف الاقتصادية الصعبة واستمرار تعطل العملية التعليمية في غزة.
بينما يتحدث لنا والد الطفل يحيى زاهر حول عمل طفله مع تعطل الدراسة: لم أكن أتخيل أن يترك ابني المدرسة يوماً، لكنه أصبح يخرج صباحاً بحثاً عن أي عمل يساعدنا على توفير الطعام والمياه بعد أن فقدت عملي بسبب الحرب.
ويضيف: كنا نصر دائماً على تعليم أبنائنا، لكن مع استمرار النزوح وتوقف الدراسة، وجد ابني نفسه يقضي يومه في العمل بدلاً من حمل حقيبته المدرسية.
وقال: أشعر بالألم الشديد عندما أرى طفلي يتحمل أعباء أكبر من عمره، لكننا نعيش ظروفاً صعبة جداً، وما يكسبه من عمله البسيط يساعد الأسرة على تدبير بعض احتياجاتها اليومية، أكبر مخاوفي أن يعتاد أطفالي على العمل ويبتعدوا نهائياً عن التعليم، الدراسة كانت دائماً أملنا في مستقبل أفضل لهم.
أطفال غزة يحملون أعباء تفوق أعمارهم وقدراتهم
وفي السياق، يؤكد مختصون اجتماعيون أن استمرار هذه الظروف يهدد حق الأطفال في التعليم ويزيد من الأخطار النفسية والاجتماعية التي يتعرضون لها، حيث يتحملون أعباء تفوق أعمارهم وقدراتهم، كما يحذرون من أن التسرب من التعليم قد يترك آثاراً طويلة الأمد على مستقبل جيل كامل.
وبدورها، تؤكد الاختصاصية الاجتماعية هناء سلامة أن اضطرار الأطفال إلى العمل وترك الدراسة في ظل الظروف التي يعيشها قطاع غزة يشكل خطراً كبيراً على مستقبلهم النفسي والاجتماعي والتعليمي، فالمدرسة ليست مجرد مكان للتعلم، بل هي بيئة توفر الحماية والدعم النفسي وتنمي مهارات الأطفال وقدراتهم، وعندما يحرم الطفل من التعليم ويتحمل مسؤوليات تفوق عمره، فإنه يصبح أكثر عرضة للضغوط النفسية والاستغلال وفقدان فرص التطور الطبيعي.
وتابعت: الأطفال هم الفئة الأكثر تضرراً من الأزمات والحروب، وحماية حقهم في التعليم يجب أن تكون أولوية قصوى؛ لأن استمرار انقطاعهم عن الدراسة والعمل في سن مبكرة قد يترك آثاراً طويلة الأمد على حياتهم ومستقبل المجتمع بأكمله.
في المقابل، تحاول بعض العائلات الغزية الموازنة بين الحاجة إلى الدخل والحفاظ على تعليم أبنائها، إلا أن تراجع الإمكانات وارتفاع معدلات الفقر يجعل هذه المهمة أكثر صعوبة يوماً بعد يوم.
وفي هذا الموضوع، تؤكد مؤسسات حقوقية وإنسانية ضرورة توفير الدعم العاجل للأسر الفلسطينية، وإعادة تهيئة البيئة التعليمية، وضمان حق الأطفال في التعليم والحماية، بعيداً عن ضغوط العمل ومتطلبات البقاء التي فرضتها الظروف الاستثنائية في قطاع غزة.
مريم احمد
اكتشاف المزيد من موقع جزائري ثقافي شامل
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
