يصدر مكتب الإحصاءات الوطنية البريطاني، وهو الجهة الحكومية الرسمية المستقلة والمسؤولة عن جمع ونشر البيانات الديموغرافية والاقتصادية في المملكة المتحدة سنوياً تقريراً حول أسماء المواليد الأكثر شعبية في إنجلترا وويلز، ويخضع هذا النظام لتسجيل دقيق وإلزامي لجميع المواليد الجدد؛ ما يجعل من هذه القوائم مؤشراً ديموجرافيا بالغ الدقة، يعكس تحولات ثقافية واجتماعية قوية تشهدها بريطانيا.
وفي أحدث تقارير المكتب الصادرة لعام 2025م، تكررت ظاهرة لافتة للعام الثالث على التوالي؛ حيث تصدّر اسم «محمد» قائمة أسماء المواليد الذكور الأكثر انتشارًا، ولم يقتصر الأمر على الحفاظ على الصدارة، بل سجل اسم «محمد» زيادة بنسبة 4% في عدد الأطفال الذين حملوه مقارنة بالعام السابق (2024م).
هذا التوالي الإحصائي يضعنا أمام تساؤل مركزي يتجاوز حدود الأرقام الجافة، فهل هذه الظاهرة مجرد أرقام إحصائية عابرة تعكس نمط تسمية محدد، أم أنها مؤشر دال على تحولات هيكلية أعمق في بنية المجتمع البريطاني وهويته المتعددة؟
بين الأرقام والجغرافيا
تاريخيًا، كان مكتب الإحصاءات الوطنية يتعامل مع كل تهجئة للاسم على حدة مثل: Muhammad Mohammed، Mohammad، ومع ذلك، تظهر البيانات المجمّعة لعام 2025م أن الاسم بمختلف تنويعاته اللفظية والخطية قد حسم الصدارة متفوقًا على أسماء تقليدية وشهيرة مثل «نوح» (Noah) الذي شهد تراجعًا نسبيًا، و«ليو» (Leo)، و«أوليفر» (Oliver) الذي هيمن لسنوات طويلة في العقد الماضي.
ولا تتوزع هذه الأرقام بشكل متجانس جغرافيًا؛ بل تتركز بقوة في الحواضر الكبرى والمناطق ذات الكثافة السكانية المسلمة المرتفعة، وتأتي العاصمة لندن في الصدارة، تليها مدن مثل برمنجهام، ومانشستر، وبرادفورد، وليستر، في طليعة المناطق التي يحتل فيها الاسم المركز الأول بوضوح.
ويرتبط هذا التوزيع الجغرافي ارتباطًا وثيقًا بالبيانات الديموغرافية الأوسع؛ فوفقًا للتعدادات السكانية الأخيرة، يعتبر المسلمون المجموعة الدينية الأسرع نمواً في المملكة المتحدة، حيث يقتربون من حاجز الـ7% من إجمالي السكان، وما يفسر الصعود الرقمي لاسم «محمد» ليس فقط الهجرة، بل معدلات الخصوبة الديموغرافية، إذ تميل الأسر المسلمة في بريطانيا إلى امتلاك متوسط أعمار فتي وتركيبة سكانية شابة ومعدلات ولادة أعلى نسبياً مقارنة بالمتوسط العام للمجتمع البريطاني الذي يميل نحو الشيخوخة.
مركزية الاسم وخصوصية الهوية
لفهم سبب تصدر اسم «محمد» مقارنة بأسماء أخرى، يجب تفكيك الدلالة الثقافية والدينية العميقين للاسم داخل الثقافة الإسلامية.
فالاسم يحمل رمزية تعبدية وعاطفية استثنائية بوصفه اسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، وهناك تقليد راسخ ومستمر عابر للأجيال يقضي بتسمية الابن الأكبر أو غالبية الأبناء الذكور به تبركاً وتيمناً؛ هذا يعني أن نسبة تكثيف هذا الاسم داخل الجالية المسلمةتكاد تكون مطلقة، في حين تتوزع اختيارات المواليد لدى الجاليات الأخرى والمجتمع البريطاني العام على مئات الأسماء المتنوعة والمستوحاة من المشاهير، أو السينما، أو التقاليد العائلية المختلفة.
ومن ثم، يعتبر اسم «محمد» تعبيراً صريحاً عن الهوية والانتماء الديني والثقافي، لا سيما في سياق الجاليات المهاجرة أو أجيال الأقليات التي تسعى للحفاظ على جذورها في مجتمعات غربية علمانية.
إعادة رسم الفضاء العام
قراءة انتشار الاسم تتطلب ربطه بمسار الهجرة والتحولات الاجتماعية التي شهدتها بريطانيا على مدار العقود الستة الماضية، فقد تدفقت موجات الهجرة الأولى من جنوب آسيا (باكستان، بنجلاديش، الهند) في منتصف القرن العشرين، وتلتها موجات من الشرق الأوسط وأفريقيا، واليوم، يعيش المجتمع البريطاني مرحلة الأجيال الثالثة والرابعة من هذه الهجرات، وهم مواطنون بريطانيون بالميلاد والنشأة.
لقد أسهمت السياسات البريطانية التاريخية القائمة على «التعددية الثقافية» التي تشجع الأقليات على الاحتفاظ بهوياتها الفرعية بجانب الهوية الوطنية، في خلق بيئة تسمح بظهور هذا التنوع الثقافي في العلن دون قيود إدارية على التسمية، على عكس بعض الدول الأوروبية الأخرى التي تفرض قيودًا أكثر صرامة.
ويتزامن انتشار الاسم مع صعود حضور الجاليات المسلمة في الفضاء العام البريطاني بشكل غير مسبوق؛ سواء في السياسة مثل وصول شخصيات مسلمة لمنصب عمدة لندن، ورئاسة وزراء إسكتلندا سابقًا، ووزراء في الحكومة، أو في الاقتصاد، والتعليم، والرياضة مثل لمعان اللاعب محمد صلاح الذي أسهم في إعطاء اسم «محمد» بريقًا شعبيًا واسعًا، هذا الحضور جعل الاسم جزءًا مألوفًا من الصوت اليومي للمجتمع البريطاني.
بين الإحصاء والتسييس
حظي خبر تصدر اسم «محمد» بقوائم المواليد لعام 2025م باهتمام إعلامي واسع ومتفاوت، ويمكن تقسيم التعاطي الإعلامي والسياسي إلى 3 اتجاهات رئيسة:
تتمثل في وسائل الإعلام الكلاسيكية (مثل «بي بي سي»، و«الجارديان») التي تناولت الخبر كحقيقة إحصائية تعكس التنوع الديموغرافي الطبيعي لبريطانيا الحديثة.
في المقابل، وظفت وسائل إعلام يمينية ومنصات التواصل الاجتماعي هذه الأرقام في سياقات جدلية حول الهوية والهجرة، مروجة لنبرة قلقة تحذر مما تسميه «تغير الهوية المسيحية التقليدية لبريطانيا»، وربط الأمر أحيانًا بنظريات مؤامرة مزعومة مثل «الاستبدال العظيم»؛ ما يغذي ظاهرة «الإسلاموفوبيا».
الخطاب احتفائي مطمئن
رأت منصات أخرى في هذا التصدر دليلاً على نجاح بريطانيا كنموذج تنوع منفتح وقادر على استيعاب التنوع وتحويله إلى جزء من النسيج الوطني.
وتشير المعطيات الحالية إلى أن تصدر اسم «محمد» مرشح للاستمرار في السنوات المقبلة، مدفوعة بالبنية العمرية الشابة للجالية المسلمة، هذا الواقع يعزز من حقيقة أن مستقبل الهوية البريطانية يتجه نحو بريطانيا متعددة الهويات.
وهكذا، فتصدر اسم «محمد» لقائمة المواليد في إنجلترا وويلز لعام 2025م يؤكد أن الأرقام الإحصائية ليست مجرد بيانات جامدة؛ بل هي نصوص حية تسجل حركة التاريخ وتحولات المجتمعات الحية، وتعكس هذه الزيادة المستمرة عمق التغير الديموغرافي، ورسوخ الجالية المسلمة كجزء أصيل وجزء لا يتجزأ من نسيج بريطانيا المعاصرة.
https://mugtama.com/a/aj5L8px7 :إقرأ المزيد
اكتشاف المزيد من موقع جزائري ثقافي شامل
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
