أخبار عاجلة
الرئيسية 08 الشبكة الاسلامية 08 الاسرة والطفل 08 الانهيار الأسري.. واقع أليم وضياع للقيم

الانهيار الأسري.. واقع أليم وضياع للقيم

تُعتبر الأسرة الخلية الأولى التي يتكون منها المجتمع، وهي أساس الاستقرار في الحياة الاجتماعية، حيث ترتكز عليها المجتمعات في استقرارها وتماسك أواصرها والنهوض بالأوطان، وتهتز المجتمعات باهتزاز الأسر وتفككها، التي أصبحت مؤخراً علامةً بارزة من علامات المجتمع، وسمة من سماته، التي نتجت في غالب الأحوال من البعد عن تعاليم الله وقرآنه وسُنة نبيه صلى الله عليه وسلم وتفشي الظلم.

فكثير من الأسر متفككة من الداخل، وإن بدا لك من الخارج أن بيتاً يضمهم، لكن كل واحد منهم يعيش في عالمه الخاص، كل واحدٍ منهم له همومه الخاصة، ومشاغله ومشكلاته التي لا يشارك فيها أحداً، لا يشعر بالتزام نحو الآخرين، ولا أنه ملزمٌ بشيء تجاه أحد، هذا لا يكلم هذا إلا لطلب شيء أو إملاء أمر، والأمثلة على تحطم الأسر وانهيارها في المجتمع كثيرة.

انهيار القيم

كان الزواج في الماضي –القريب- حلم يعيش عليه الشباب والبنات، فالكل يحلم أن ينعم عليه الله سبحانه بهذه النعمة الجليلة، التي من أجلها يبذل كل جهد لتجهيز سبل الزواج، كما تبذل الفتاة كل جهد للحفاظ على بيتها الجديد، وكانت تنطلق عبارات “بدأنا حياتنا من الصفر.. بنينا بيتنا معًا.. زوجي أغلى من المال”.

وكانت حالات الطلاق مسألة استثنائية مقرونة بكونها أبغض الحلال، لكن التحولات الاجتماعية، وبعد التربية عن شرائع الإسلام كسرت معها القيم التي تربى عليها الجميع، وثقافته الحميدة، حيث بات الأهل والفتيات يبحثن عن الزوج “الجاهز” الذي يملك الإمكانيات المادية الكافية.

إن الأحداث والأوضاع التي حدثت وتحدث في المجتمعات العربية والإسلامية أصبحت تشكل أسباباً قوية لانهيار الأسر، في ظل غياب التربية الأخلاقية، وانعدام الرحمة والمودة بين أطراف البيت الواحد.

إن أسباب زيادة نسبة الطلاق وانهيار القيم الزوجية، وامتلاء المحاكم بقضايا الخلع كثيرة ومتشعبة كما أنها متشابكة، ومنها:

1- عدم إدراك القيمة الحقيقية من الزواج وأهميته، حيث يعد أحد الجوانب القوية لتنشئة أجيال قادرة على الدفاع عن الوطن.

2- انهيار منظومة السكن والمودة التي وصفها الله تعالى بقوله: {وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً} (الروم: 21)، فأصبح كل طرف منهما يجد راحته مع الآخرين وبعيدا عن البيت.

3- ضعف قيمة القوامة، التي كانت بمثابة رمانة الميزان في البيت، حيث كانت الكلمة الأولى للزوج، لكن بعد أن خرجت المرأة للعمل وأصبحت تنفق على البيت من حر مالها ضاعت قوامة الرجل، فعلى صوت المرأة وتحولت البيوت إلى جحيم.

4- غزو الشاشة الصماء وانصراف كل واحد منهما إلى خصوصيته الافتراضية، وصداقات وهمية، والانشغال بالسناجل الحوارية، وبعد أن كان كلا الطرفين يفضي للآخر على وسادة بما يحزنه وما يعتريه من هموم، أصبحت ترى الزوج والزوجة كلاً منهم مشغول بهاتفه وصفحاته.

5- الفتور العاطفي، وانتشار الإباحية، وانحطاط القيم، وذوبان الفوارق بين الرجال والنساء مما سهل انتشارها، فتعرقلت الحياة الزوجية التي أصبح يراها كلا الطرفين حياة مملة وروتينية فلجأ للحرام المتعدد.

6- انهيار المنظومة الأخلاقية للعائلة، حيث زاد تسلط أهل الزوج وأهل الزوجة في غياب قيم التراحم والتواد والتسامح والتغاضي.

7- النرجسية أو الأنانية التي ربما تصب أحد الزوجين أو كلاهما، فتصبح كل حياتهما البحث عن نفسه وذاته فحسب دون النظر للآخر –الذي ربما تحَّمَل معه الكثير– ولذا لا يتحمل عبء الحياة.

8- الغضب والانفعال السريع الذي أصاب الجميع –وعوامله كثيرة ومتعددة– دون الوقوف على أوامر الشريعة والسُّنة النبوية بعدم الغضب، وكظم الغيظ، والعفو عند المقدرة، والإحسان للطرف الأخر.

لو ظل القلم يعدد الأسباب ما استطاع أن يحصرها، وكلها تتبلور حول بُعد الجميع عن رب الكون، وانهيار المنظومة الأخلاقية التي كان يتحل بها الجميع، واختلال الميزان التربوي الحصين والقيم التي تحث عليها الإسلام.

ولذا لا بد من جميع الأطراف البحث عن العلاج الناجع الذي يرمم كيان الأسرة، ولا يقتصر على النواحي الاقتصادية أو الاجتماعية، ويتغافل الجوانب التربوية الإسلامية، والمنظومة الأخلاقية.

فلننقذ بيوتنا ومجتمعنا

إن توحش انهيار الأسرة بهذه الصورة وبهذه الأسباب التي تتمحور حول انهيار القيم والأخلاق، سيؤدي إلى الانهيار المجتمعي مثلما حدث في فرنسا أثناء الحرب العالمية الثانية والتي لم يستطع شبابها الصمود أمام ألمانيا أكثر من أسبوعين لانهيار المنظومة الأخلاقية والأسرية.

ومن العوامل التي تحافظ على استقامة الأسر، والحفاظ على الحياة الزوجية:

1- تعميق وترسيخ الروح الإسلامية في وجدان كل فرد من أفراد الأسرة، فيتحقق وصف الحسن البصري: “زوج ابنتك ممن يتقي الله، فإن أحبها أكرمها، وأن أبغضها لم يظلمها”.

2- البحث عن الزوج والزوجة أصحاب الدين، والذي حث الرسول صلى الله عليه وسلم الأمة التمساها والتمسك بها “فاظفر بذات الدين تربت يداك” (رواه مسلم).

3- تربية الأولاد على معاني الرجولة الحقيقية وتحمل المسؤولية، وتربية الولد والبنت تربية جديدة وجادة تواكب مستجدات العصر.

4- تعهد الزوج والزوجة بالنصائح التربوية، وعلاج الآفات التي تظهر في السلوكيات، والعمل على الصلح بينهما بالحسنى من ذوي القلوب الصافية، كما يجب على الزوجين الجلوس مع بعضهما ويتحدثا ليتغلبا على المشاعر السلبية.

5- سعي الزوجين لمعرفة مفاهيم وعلم أنماط الشخصية ليتعرف كل واحد على نمط شخصية شريكة.

6- من الأسباب المهمة والتربوية هو سؤال الزوج عن زوجته والعكس، حتى تتكون له –أو لها– رؤية كاملة عن الشخصية وظروفه وأخلاقه وأهله ووضعهم وظروفهم المادية، يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ “تخيروا لنطفكم وانكحوا الأكفاء وانكحوا إليهم” (ابن ماجة في السنن).

إن الزواج هو بداية المسؤولية وبداية تعارف حقيقية بين كوكبين مختلفين، يتآلفان ويتفاهمان باتساع الأفق واستيعاب الاختلاف والتفاهم والمساندة، ومن غير تفاهم وتألف تنهار الأسرة والمجتمع.

عبدو دسوقي

عن الشبكة نت

%d مدونون معجبون بهذه: