الرئيسية 8 الشبكة الاخبارية 8 اصداء الصحافة 8 ميزانيات الترفيه في الدول العربية
ميزانيات الترفيه في الدول العربية

ميزانيات الترفيه في الدول العربية

نشرت وسائل الإعلام في الأيام القليلة الماضية أخباراً عن اهتمام كبير لدول عربيّة بموضوع «الترفيه» عن مواطنيها، ومن ذلك ما قالته السعودية عن ضخ مليارات الدولارات في قطاع الترفيه وأنها تدرس استضافة عشرات الفعاليات الغربية، وخلال إعلان تركي آل الشيخ، رئيس «الهيئة العامة للترفيه»، عن استراتيجية المملكة لهذا القطاع، قال مخاطبا الشركات ورجال الأعمال والفنانين وشخصيات شهيرة عربية ورجال دين: «هذا باب كبير… عشرات المليارات إذا مو مئات المليارات».
وفي مناقشة النواب العراقيين لموازنة العام 2019 قالت كتلة «النهج» البرلمانية إن عشرات المليارات خصصت لـ«عمليات الترفيه» مطالبة بنقل هذه الأموال للصرف على «الشهداء والجرحى الذين صنعوا النصر».
تشمل فعاليات الترفيه التي يتحدث عنها آل الشيخ حفلات راب لمغنين أجانب، وجولات مصارعة ثيران على الطريقة الاسبانية، ونقل لمباريات من دوري كرة القدم الأمريكي وحفلات المصارعة الحرّة الأمريكية، وإعطاء رخص للمطاعم والأماكن السياحية لحفلات الغناء والموسيقى الحيّة، وفتح معارض مثل متحف الشمع «مدام توسو»، والسماح للتلفزيون الرسمي بنقل المسابقة الغنائية «ذا فويس» وحفلات سهر… الخ.
من حق مواطني الدول العربية بالتأكيد الحصول على أشكال الترفيه العائلية الموجودة في كل أنحاء العالم، فقد كان تشديد المنع فيها، على الطريقة السعودية، سبباً لجعل المملكة أرضاً ثقافية جرداء لعقود طويلة بشكل حوّل صورتها في العالم إلى مكان بائس تطبق فيه القوانين المتعسفة على المواطنين وحدهم فيما يقوم بعض «الكبار»، الذين لا تطالهم القوانين، بخلق عالم مواز تسود فيه أشكال «الترفيه» المستورد الفجّ، أو يبحثون عنه في دول الغرب فتطاردهم الفضائح وكاميرات الإعلام.
تحاول السلطات السعودية من هذا الترويج الكبير للترفيه والوعود بالأرباح الطائلة منه صيد عدة عصافير بضربة واحدة، فهي تسعى إلى تغيير سمعة التشدّد الدينيّ المحافظ التي التصقت بالبلاد، كما تريد، في الوقت نفسه، جذب الاستثمارات إلى هذا القطاع واقتطاع جزء من المبالغ الهائلة التي يصرفها السعوديون على السياحة في الخارج، وبين هذا وذاك، تريد حرف اهتمام العالم عن قضية اغتيال الصحافي جمال خاشقجي التي أضافت إلى صور التصلّب والتشدّد والقسوة والمحافظة الاجتماعية السابقة صورة وليّ العهد الدمويّ الذي يقوم رجاله الأقربون باغتيال معارض معتدل وتقطيعه في قنصلية خارج بلاده، وأطاحت هذه القصة، بضربة واحدة، بحملات العلاقات العامة المكلفة، وبوعود «التنمية الاقتصادية» والازدهار، وفوق ذلك كله، بادعاءات الحداثة والليبرالية والدفاع عن المرأة، مع تكشّف أخبار اعتقال الناشطات (والناشطين) وتعذيبهن، وهروب فتاة مثل رهف محمد، وتسارع الدول لاستقبالها لاجئة.
تدخل عملية ترويج «الترفيه» وتقريظ أرباحه الطائلة، على طريقة آل الشيخ، في باب رشّ السكّر على الدماء الساخنة، فهي تتعامل مع السعوديين على أنهم يمكن إلهاؤهم بمصارعة الثيران ومطربي الغرب عن حقوقهم المنتهكة وكراماتهم المسفوحة وفتياتهم وناشطيهم وأكاديمييهم المعتقلين.
يذكّر هذا الحال بشاعر العامية المصريّة أحمد فؤاد نجم في قصيدة غناها له الشيخ إمام ويقول فيها: «والخمارة بجنب المصانع والسجن مطرح الجنينة»، فسلطات الاستبداد العربيّة تكره الثقافة وتحب «الترفيه»، وتقطف من «الحداثة الغربية» حفلات المصارعة الحرّة و«الراب» لكنّها ترفض قيمها الليبرالية وتحتقر الديمقراطية، وينتهي بها الأمر إلى صيغة تحالف بين الملاهي والسجون.

عن ahmed

%d مدونون معجبون بهذه: