جميع الحقوق محفوطة لموقع الشبكة الجزائرية نت 2008 .. 2025

سعادة القلب

نبحث عن السعادة وهي قريبة منّا لكن لا نعرف كيف نحركها في نفوسنا! فقه ذلك الأولون فعاشوها رغم فقرهم ومِحنهم وشظف العيش؛ فاستمع لما يقوله إبراهيم بن أدهم يرحمه الله: «لو علم الملوك وأبناء الملوك ما نحن فيه من السرور والنعيم؛ إذاً لجالدونا على ما نحن فيه بأسيافهم أيام الحياة على ما نحن فيه من لذة العيش وقلة التعب»؛ نعم لقد عاشوا بسعادة يغبطهم عليها الأمراء والتجار.

ويقول ابن القيم يرحمه الله:‏ «نظرتُ في توفيق الناس فإذا هو معقودٌ بالقلب»، وهو موضع نظر الرب ‏والله تعالى يقول: (إِن يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً) (الأنفال: 70)؛ فالقلب تلك المضغة الصغيرة هو مصدر السعادة، فاغرس في قلبك وقلوب الناس بذور المحبة، واسقها بحسن التعامل، وراعها بالحب والوفاء؛ يبقَ جميل ما حصدت.

وكـان علـي بن الحـسين ‏إذا أتاه ‏الـفقـيـر والسائــل والـمحـتاج ‏استبشر ورحّب به، ‏وقـال: ‏«مرحباً بمن يحمل زادي إلى الآخرة».

‏وقيل لبعض الحكماء: إن فلانا جمع مالاً، قال: فهل جمع أياماً ينفقه فيها؟ قيل: لا، قال: ما جمع شيئاً! إنها سعادة مؤقتة في الدنيا والسعادة الحقيقية في الآخرة بإذن الله تعالى فهل فقهت ذلك؟ قال تعالى: (فَمَا أُوتِيتُم مِّن شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) (الشورى: 36).

ومما قرأت: يذكر أن زوجاً قال لزوجته بغضب: لأشقينَّك، فقالت الزوجة في هدوء وإيمان وعزة: لا تستطيع أن تشقيني كما لا تستطيع أن تسعدني، فقال الزوج في حنق: وكيف لا أستطيع؟ فقالت الزوجة في ثقة: لو كانت السعادة في راتب لقطعته عني أو زينة من الحلي لحرمتني منها، ولكنها في شيء لا تملكه أنت ولا الناس أجمعون! فقال الزوج في دهشة: وما هو؟ فقالت الزوجة في يقين: إني أجد سعادتي في إيماني، وإيماني في قلبي، وقلبي لا سلطان لأحد عليه غير ربي.

الدنيا مسألة حسابية، اطرح منها التعب والشقاء، واجمع لها الحب والوفاء، واترك الباقي لرب السماء، فسعادة قلبك في هذه الدنيا بعملك الصالح والتوفيق بين الناس وحسن أخلاقك وذكراك الحسن، سعياً لجنّة عرضها السماوات والأرض.

قال ابن القيم يرحمه الله: ‏«إن في قضاء حوائج الناس لذة لا يعرفها إلا من جربها، ‏فافعل الخير مهما استصغرته فإنك لا تدري أي حسنة تدخلك الجنة»، وقربك من الله هو السعادة الحقيقية بطاعته ومناجاته والامتثال لأوامره ونواهيه، فإذا سجدت فأخبره بأسرارك، ولا تسمع من بجوارك، وناجه بدمع عينك، فهو للقلب مالك.

فلن تخرج بسعادة من الدنيا بما أخذت بل بما أعطيت، فالصدقة تعطيها للفقراء لكنها ذخر لك بميزانك، والكلمة الطيبة ترسم بها ابتسامة عند الآخرين لكنها لنا في نفوسنا، وجبر الخواطر لنا وإن كان أثره على الناس، والساعي للخير إنما يسعى لخير روحه وقلبه، تأمل قوله تعالى: (إِنْ أَحْسَنتُمْ أَحْسَنتُمْ لِأَنفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا) (الإسراء: 7)؛ فهل تدبرنا هذه الآية لنفهم سعادة قلوبنا أين؟

وما أجمل ما قاله الإمام الشافعي:

إيّاك تجـــــني ســـــــــكراً من حنظــــــــــــل         فالشيء يرجع بالمذاق لأصله

في الجو مكتوبٌ على صحف الهوى      من يعمل المعروف يُجزى بمثله

فاللهم اجعلنا من السعداء بالدنيا والآخرة، واكتب لنا الخير أينما كنا وصرنا نحن وأهلونا وأحبابنا يا رب.

 

سعادة الملا

عن الشبكة نت

جميع الحقوق محفوطة لموقع الشبكة الجزائرية نت 2008 .. 2025