أخبار عاجلة
الرئيسية 08 الشبكة الاسلامية 08 تاريخ حضارة 08 الشهيد زيـغود يــوسف العقل المفكر لهجومات 20 أوت 1955

الشهيد زيـغود يــوسف العقل المفكر لهجومات 20 أوت 1955

من تاريخنــــا الثـــــوري: الشهــيـــــد زيـغــــود يــوســــف * العقـــــل الـمفكــــر لهجــــومـــــــــات 20 أوت 1955

والجزائر تحتفل بالذكرى المزدوجة ليوم 20 أوت المخلدة لحدثين بارزين في تاريخ الثورة التحريرية هما: ذكرى هجومات 20 أوت 1955 بالشمال القسنطيني، و20 أوت 1956 ذكرى انعقاد مؤتمر الصومام بقرية إيفري، نتذكر شخصية بارزة كان لها الفضل الكبير في التخطيط وتنفيذ الهجومات التي عرفها شمال الشرق الجزائري،حتى عُدَّ عقلها المفكر وقائدها الناجح. كما كان من بين قادة الثورة الذين حضروا أشغال مؤتمر الصومام، ولعب دورا رئيسيا خلال اجتماعاته، وفيه تمت ترقيته إلى رتبة عقيد.. إنه القائد البطل الشهيد زيغود يوسف الذي سنسلط الضوء على بعض المحطات من حياته ومسيرته النضالية، لتذكير شباب اليوم بمناقبه الحميدة وخصاله البطولية حتى يخلده في الذاكرة الجماعية، ويتشبع هذا الجيل بمبادئ الثورة، ويعتز بقيمها السامية، فيتحلى بالروح الوطنية والتفاني في خدمة الوطن، والتمسك بوحدته والمصير المشترك لأبنائه.

 

مولده ونشأته
ولد البطل يوسف زيغود يوم 18 فيفري1921 بقرية (كوندي السمندو) سابقا والتي حملت اسمه بعد الاستقلال من ولاية قسنطينة حاليا، ابن السعيد بن أحمد وآمنة بنت محمد في وسط أسرة فقيرة، وقد توفي والده وهو في بطن أمه، فتكفلت مع أهلها بتربيته، وتحملت الصعاب لإعداده والإنفاق على دراسته .تابع زيغود دراسته الابتدائية بالفرنسية الى جانب دخوله الكتاتيب القرآنية بمسقط رأسه لحفظ ما تيسر من القرآن الكريم.
وبعد إحرازه على الشهادة الابتدائية بتفوق، لم يتمكن من مواصلة دراسته بسبب العراقيل التي كانت توضع في طريق أبناء المواطنين، إلاّ من كانت له مكانة وجاه لدى المستعمر الفرنسي.
وأمام مطالب الحياة وانعدام إمكانيات مواصلة الدراسة ،اضطر الطفل الذي لم يعرف حنان والده، وفي سن مبكرة الى البحث عن مهنة حرة يكسب منها قوت عائلته، رغم محاولات والدته ثنيه عن ذلك، لتوفير الاستمرار والانتظام في الدراسة، بعدما كان يساعد زوج أمه السيد بشير زموري المدعو بن زعيتر أيام العطل المدرسية.
في ميدان العمل
بعد توقفه عن الدراسة في سن 14 عاما، شرع في العمل ومعرفة متاعب الحياة، وكان نصيب زيغود يوسف مهنة الحدادة والتي تيسرت له بقريته الفلاحية، بعد تردده على العديد من المحلات قبل أن يستقر به الحال بورشة أحد المعمرين بالقرية يدعى(بول بورنال) تحت شروط مجحفة، فقد فرض عليه أن يعمل بدون أجر خلال فترة معينة، وبعدها بأجر رمزي زهيد. ولظروفه الاجتماعية القاسية ،اضطر زيغود الى قبول شروط هذا العمل، ولم يدم طويلا في عمله بهذه الورشة، حتى أصبح شريكا فيها، وقد ساعده على دفع حصة الشريك زوج أخته زبيدة الشهيد بوضرسة عيسى المدعو عمار.
هاوي الكتب والأفلام
كان زيغود يوسف شغوفا منذ الصغر بالمطالعة و مشاهدة الأفلام، إذ كان يذهب رفقة زملائه إلى مدينة قسنطينة، فينفق كل النقود التي يأخذها من عند أمه في اقتناء ما يهوى من كتب، وخاصة الكتب التي لها صلة بالتاريخ، ومشاهدة الأفلام الحربية والبوليسية. وقد عمل في فترة الشباب الأولى كقائد ومؤسس على المستوى المحلي للكشافة الإسلامية، ومن العناوين التي اقتناها كتاب (البؤساء) لفيكتور هيغو. كما كان يردد باستمرار بعض الأبيات الشعرية التي حفظها في صغره، وإن كانت بالعامية منها:
يا ناس فيا طبيعة تعشق غير التحايف
على الوطن راسي نبيعو ومن الموت منيش خايف وكذا:
كلنا للقطر فدا * شبابنا لا يخشى القتال
نموت شهداء * أو نعيش للاستقلال
نحن قوم لا تردنا السجون
على المبادئ لا تثنينا المنون
للجزائر للجزائر يا عباد.
زيغود المناضل السياسي
ما أن اكتمل نضج الشاب زيغود حتى شرع في اتصالاته بمدينة قسنطينىة، حيث وجد من يأخذ بيده ليندمج في بوتقة النضال السياسي، فانخرط في صفوف حزب الشعب الجزائري وعمره لا يتعدى 17 عاما، وأصبح بذلك المسؤول الأول بقرية سمندو. وبعد حل هذا الحزب من طرف الإدارة الفرنسية، انضم الى حركة انتصار الحريات الديمقراطية التي تعتبر امتدادا للحزب السابق، وبديلا لقيادة الحركة الوطنية.
وكان عضوا نشيطا في صفوفها، يجند و يشحذ الهمم في تكوين الشباب وبث فكرة الثورة في أوساط المواطنين.
وتحضيرا لمسيرات 8 ماي 1945، أشرف زيغود في السمندو على تنظيم المسيرة، فعقد اجتماعا في مسجد القرية حددت فيه خطة المسيرة، واللافتات المحمولة مع شعاراتها، وكذا العلم الوطني الذي صنعته زوجته عائشة بمساعدة إحدى الجارات تدعى نيني حلاسة. وقد رفعت الراية الوطنية خفاقة لأول مرة في قرية السمندو في تلك المسيرة السلمية.
في سن 1947 رشحت حركة انتصار الحريات الديمقراطية زيغود يوسف في القوائم الانتخابية بقرية السمندو، وقد فاز فيها فوزا ساحقا رغم مكائد العدو ودسائسه لمنعه بكل الوسائل من النجاح في هذه الانتخابات، حتى تمكن أن يكون نائبا لرئيس البلدية.
الانضمام الى المنظمة السرية
بعد تكوين الجناح العسكري للمنظمة الخاصة التي أنشئت سنة 1947 من طرف حركة الانتصار، انضم إليها، وكان على رأس المنظمة والمشرف على بنائها المرحوم محمد بلوزد اد مع كوكبة من المناضلين.
وتولى زيغود يوسف سنة 1948 قيادة خليتها الأولى بقريته، وتولى عملية التنظيم بالشمال القسنطيني لجلب الرجال الأوفياء للمبادئ. وكان يعد الاجتماعات لليوم المعهود في إسطبل بقرية السمنو. وكان المسؤول الجهوي للمنظمة هو الشهيد ديدوش مراد.
وما أن حلّت السنة الموالية حتى انتشرت فروع المنظمة في مختلف أنحاء المنطقة.
إلقاء القبض على زيغود
بعد اكتشاف السلطات الفرنسية للمنظمة الخاصة سنة 1950 في حادثة تبسة، ثمّ عملية بريد وهران، وملاحقة أعضائها خاصة بقرى ومدن الشرق الجزائري، كان زيغود يوسف من بين المناضلين الذين ألقي عليهم القبض .حيث زج به في سجن عنابة مع عدد من المناضلين، والتقى بداخله مع مصطفى بن عودة وإبراهيم عجومي بن مصطفى ومحمد بن زعيم وعبد الباقي بكوش الذين كانوا على متن عربة واحدة عند إلقاء القبض عليهم .بالإضافة إلى سليمان بركات وبولعراس بوشريحة وابن عمه الطاهر.
وحسب أخته زبيدة فإنه عندما شاهد عربة البوليس، وكان وقتها يصلح في سقف بيته في مارس 1950 ، أمر على الفور زوجته بإخفاء كل الوثائق في صدر ابنته شامة، وهكذا لم تتمكن سلطات المستعمر من العثور على ما تريد من معلومات، باستثناء مجموعة من الكتب.
للإشارة فإن ابنته الوحيدة شامة هربت من طرف جيش التحرير إلى تونس، وأولاده الستة فقد وافتهم المنية كلهم. ومنهم الابن الأصغر للشهيد والذي سماه مراد تخليدا لاسم قائده ورفيقه في السلاح ديدوش مراد الذي توفي بثلاثة أيام قبل ازدياد الطفل، حيث وافته المنية بدوره عام 1957.
الهروب من سجن عنابة
حكمت سلطات العدو على زيغود بعقوبة 20 سنة سجنا نافذا، بتهمة المساس بالأمن الخارجي للدولة، لكنه تمكن بذكائه وخبرته في الحدادة وبواسطة قطعة حديد خلعها من قفل أحد الأبواب الذي كان يؤدي الى بيت صغير، وقد أدخلها من تحت قشابية من مراحيض السجن، من ثقب سقف الغرفة تمكن من مرور شخص عادي،ثم الفرار بعد فتح باب السجن رفقة كل من مصطفى بن عودة و سليمان بركات و عبد الباقي بكوش.
وبعد عملية الفرار يوم 21 أفريل سنة 1951، ظلّ الشهيد زيغود يوسف مع جماعته يتنقل في سرية تامة من موقع الى آخر مثل: الصوادق والداموس التي عالج بها الجرح الذي أصيب به أثناء عملية الفرار، ثم الحروش والسمندو عند أصهاره، والقرارم عند عمار قوقة، ومنها الى منطقة الأوراس بواسطة سيارة جاءت من مدينة أريس بقودها المناضل مسعود بن العقون، حيث اعتصموا بالجبال. والتقى هناك بالقادة مثل رابح بيطاط ولخضر بن طوبال ومصطفى بن بولعيد والخارجين عن القانون بالأوراس كما كانت تصفهم فرنسا.
ولما تأسست اللجنة الثورية للوحدة والعمل في مارس 1954 كقوة ثالثة لوضع حد للانقسامات الحزبية والصراع بين مصالي الحاج و جماعته، وأعضاء اللجنة المركزية للحزب انضم إلى صفوفها. كما كان من بين الأعضاء 22 الذين اجتمعوا في منزل دريش إلياس بالمدنية بالعاصمة في صيف 1954 للتفكير والإعداد لإعلان الثورة المسلحة. وعين في الاجتماع كنائب أول لقائد منطقة شمال قسنطينة.


زيغود في أول نوفمبر
تجمع كل شهادات المجاهدين الذين عاشوا أحداث هذه الليلة العظيمة، على أن القائد زيغود كان على رأس العدد القليل جدا الذي أشرف وعمل على تحضير وتنفيذ العملية التي جرت بالمنطقة.
وبعد اندلاع ثورة أول نوفمبر 1954 المجيدة بادر زيغود يوسف رفقة ديدوش مراد على تنظيم الصفوف والمقاومة بالشمال القسنطيني – الولاية الثانية بعد مؤتمر الصومام – ويجمعان الأسلحة، وشاركا في معركة بوكركر التي وقعت يوم الاثنين 18 جانفي 1955 رفقة 17 مجاهدا لإظهار قوة الثورة وانتشارها، ولكن انتهت بسقوط قائده ديدوش مراد شهيدا، بعد معركة طاحنة الى جانب ستة مجاهدين، حيث اكتشفهم العدو، فحاصرهم حصارا شديدا.
وخوفا من انتشار روح الانهزامية في الجنود، أكد زيغود يوسف للمجاهدين بأن المعركة لا تنتهي بانتهاء قائدها، بل ينبغي أن تستمر مهما كانت التضحيات الجسام. مما ترك الصدى الايجابي وسط المجاهدين والمواطنين .
هجوم 20 أوت 1955
بعد توليه قيادة منطقة الشمال القسنطيني، تابع زيغود يوسف نشاطه العسكري، خاصة وأنه يعرف جيدا تضاريس المنطقة، ونفسية السكان، وقد أبرزت العمليات العسكرية التي قام بها وخططه الحربية، عن قيمة إمكانياته التكتيكية والإستراتيجية في حرب العصابات. وكانت هجومات 20 أوت 1955 على 39 معقلا للعدو الفرنسي كالثكنات ومراكز الشرطة ومساكن المعمرين في منتصف النهار وفي وقت واحد، وهذا في سكيكدة والحروش وعزابة وقسنطينة والخروب وعين عبيد ووادي الزناتي والسمندو وجيجل والميلية… وغيرها من قرى الشمال القسنطيني مما زاد في انتشار الصدى الايجابي للثورة داخليا و خارجيا .
وكان الهدف من هذه العملية التأكيد على التحام الجماهير بالثورة وتخفيف الضغط العسكري عن منطقة الأوراس باقتراح من الشهيد شيحاني بشير، وتحقيق مبدأ التضامن بين شعوب المغرب العربي، لمصادفة هذا اليوم مع الذكرى الثانية لعزل ونفي الملك المغربي محمد الخامس .والتفكير في تسجيل القضية الجزائرية في جدول أعمال الجمعية العامة لهيئة الأمم المتحدة في دورتها ليوم 20 سبتمبر 1955.
وخطة هذه الهجومات تم التحضير لها منذ شهر ماي 1955، وكانت هناك محاولة اتصال بالولايات المجاورة للتنسيق في الهجوم، غير أنه ولظروف استثنائية لم تتم العملية في باقي الجهات المبرمجة.
حضور مؤتمر الصومام
بعد هجومات 20 أوت 1955، فكر زيغود يوسف مع بعض الرفقاء من المسؤولين المساعدين إمكانية عقد مؤتمر وطني يضم قادة الثورة، واقترح منطقة قسنطينة لاحتضانه لوضع استراتيجية جديدة للثورة تتماشى ومتطلبات المرحلة. ونتيجة لظروف أمنية عقد المؤتمر في 20 أوت 1956 بوادي الصومام بالولاية الثالثة احتفالا بالذكرى الأولى لهجومات 20 أوت 1955. وقد كان مؤتمرا تنظيميا لهياكل الثورة السياسية والعسكرية. وانبثق عنه ميثاق الصومام كأول ميثاق تنظيمي للثورة في مراحلها المقبلة.
وفي هذا المؤتمر تمت ترقية زيغود يوسف إلى رتبة عقيد، وكلف رسميا بقيادة الولاية الثانية. وعين كذلك عضوا دائما في المجلس الوطني للثورة.
حادثة استشهاده
بعد عودته من أشغال مؤتمر الصومام، شرع زيغود يوسف في إجراء اللقاءات لإعداد الرجال وضبط الأهداف وتطبيق القرارات المتخذة.
وعقد لهذا الشأن اجتماعا بقرية الخربة إحدى قرى السطيحة بالقرب من سيدي مزغيش في منزل زيدان بوالزرد مع فوجه المكون من 15 مجاهدا.
وفي بداية الصباح من يوم 23 سبتمبر 1956 عرف زيغود يوسف أن قوات العدو متواجدة بمشتى مجاورة، فظن أنها عملية مسح للجبل القريب من مكان تواجده، فحاول مع من بقي معه من الجنود، النزول الى الوادي عبر منحدر شبه عار، فالتقى الطرفان في حدود الساعة السابعة ونصف صباحا وجها لوجه، وكان زيغود في المقدمة، لهذا كان أول من أصيب بجروح، رغم ذلك استبسل في الدفاع الى أن سقط شهيدا مع ثلاثة من رفقائه منهم لعباردي بوجمعة. وخرج اثنان بأعجوبة من المعركة وهما: صالح بوجمعة وبوخميس موسى.
ثم حمل العدو جثته الى قرية رمضان جمال للتأكد من هويته. وبعد عدة أيام من التحقيق نشرت الصحف الفرنسية في صفحاتها الأولى وبعناوين بارزة:
* قائد العصابات المتمرد بالشمال القسنطيني يقتل من قبل الجيش الفرنسي.
* إن هذا الحداد الذي يعتبر أحد مفجري الحركة الإرهابية بالجزائر هو منظم مجازر 20 أوت 1955.
كما نشرت جريدة – لاديباش- رسالة تهنئة من المفتش العام للإدارة – موريس بابون – إلى الجنرال – نواري – قائد قوات منطقة قسنطينة.
ولقد تولى موريس بابون بنفسه الإعلان عن الخبر أثناء ندوة صحفية و مما جاء في تصريحه (لم يبق أي شك ،لقد عرفت جثة زيغود يوسف من قبل التعريف القضائي، زيغود بالغ الأهمية لا بالنسبة للشمال القسنطيني فحسب، ولكن على الساحة الجزائرية بأكملها، لقد كان منظما نشيطا استطاع إنشاء عدة عصابات تمكنت أن تلحق بعض المشاكل لوحداتنا).
فرحمة الله على شهيدنا وبقية شهدائنا الأبرار في كل زمان ومكان.
* للموضوع مراجع.

 

 

 / الأخضر رحموني/

عن الشبكة نت

%d مدونون معجبون بهذه: