أخبار عاجلة
الرئيسية 08 الشبكة الاسلامية 08 الوعي الاسلامي 08 القرآن والرأسمال الثقافي في المجتمع.. بناء المفاهيم نموذجاً

القرآن والرأسمال الثقافي في المجتمع.. بناء المفاهيم نموذجاً

 يمثل الإنسان مركز الرسالة القرآنية، فالإنسان هو خليفة الله على الأرض، ومكلف بالإعمار فيها وفق المنهج الأخلاقي الإلهي، وفي ضوء ذلك عني القرآن بكل مقومات الاستخلاف والعمران البشري في الأرض، ومن هذه المقومات، المقوم الثقافي الذي يتضمن ثلاثة عناصر رئيسة هي المفاهيم والقيم والتصورات التي تشكل نظرة الإنسان إلى ذاته، وإلى الخالق، وإلى الكون، وإلى الآخرين، هذه العناصر تقف خلف حركة الإنسان في الكون، سواء كانت تلك الحركة في ميدان الخير أم ميدان الشر، فحركة الإنسان الخارجية هي ترجمة لما يعتقده من مفاهيم ويتشكل لديه من تصورات وما يحمله من قيم.

    عني القرآن بمسألة المفاهيم باعتبارها أساس تتشكل عليه القيم والتصورات، ولهذا خاض القرآن معركة المفاهيم في مسارين، المسار الأول: يتمثل في هدم المفاهيم ذات الدلالات المعيقة لحركة الإنسان في الكون والمجتمع، والمسار الثاني: يتمثل في البناء لمفاهيم جديدة مغايرة تدعم حركة الإنسان في الكون والمجتمع.

      إن المفاهيم هي جوهر الرأسمال الثقافي الذي على أساسه يتحرك الإنسان الفرد، ويحدد المجتمع في ضوئه عناصر البيئة الثقافية لأفراده التي تشكل القيم والأعراف والتقاليد في ضوء منظومة المفاهيم الخاصة بكل مجتمع.

العالم الإسلامي واضطراب عالم المفاهيم

      تعرض العالم العربي والإسلامي خلال القرنين الماضيين – وما زال- لأكبر عملية مواجهة مفاهيمية في تاريخ نشأته منذ 15 قرن، وتنوعت هذه المواجهة المفاهيمية بين استبدال وإحلال كامل للمفاهيم ومحتواها الثقافي، وبين الدعوة إلى تمييع المفاهيم الرئيسة في التشكيل الثقافي الإسلامي، وبين استبدال المحتوى للمفهوم والبقاء على لفظة، وفي ذلك نماذج عديدة[1]، وبين تفريغ محتوى المفاهيم الأصيلة وبقاءها من غير دلالاتها المعتبرة.

القرآن وبناء المفاهيم

من نماذج المفاهيم التي اعتنى القرآن بتصحيحها وبنائها من جديد عند الجماعة المسلمة نشير إلى النماذج الثلاثة التالية:

1. مفهوما «الإسلام» و«الإيمان»: ميَّز القرآن بين مفهومي الإسلام والإيمان على أساس العام والخاص، والكلي والجزئي بينهما، {قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُل لَّمْ تُؤْمِنُوا وَلَٰكِن قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 14]، فالإسلام له شروطٌ ظاهرةٌ يمكن أن نراها جميعًا، ولكن الإيمان خاصية بالقلب لا يمكن أن يراه إلا الله تعالى، فالإسلام بنطق الشهادتين يجعل الإنسان ينطوي تحت مسمى (مسلم)، أما الإيمان فهو عملٌ قلبيٌّ لا يطَّلع عليه ولا يدرك حقيقته إلا الله.. أو لأن الإسلام قولٌ فقط، بينما الإيمان قولٌ وعملٌ، والعمل شَرطُه النية، والنية محلها القلب الخاص بعلم الله.. فالذين لا يصدِّقون بأعمالِهم أقوالَهم لا يندرجون تحت مظلة (المؤمنين) وإن بقوا تحت مظلة (الإسلام). أشارت بعض التفاسير إلى شرط العلم بالشريعة حتى يندرج المسلم تحت مظلة الإيمان، وفيه شيء من المنطق؛ إذ كيف يعمل المسلم بالتكليفات دون علم؟ وهل يعبد الله على جهل؟ وكيف يمكن أن يتم معرفة الأوامر والنواهي؟ والأحكام والحدود؟ والتشريعات والتكليفات دون علم؟

وعليه:

      إن البون بين “الإسلام” و”الإيمان” هو المسافة بين الاعتقاد النظري وبين الحركة التي تجسد ذلك الاعتقاد، إن الاعتقاد النظري أمر مهم لا يمكن للحركة أن تتم بدونه، ولكنه – أي الاعتقاد النظري- يبقى فارغ الحياة والمضمون غائب الايناع والاشعاع والثمار إذا ظل في حالته النظرية، كما أن الحركة لا تستقيم على الجادة بغير فكرة ثابتة واضحة مستقيمة غير متناقضة حافزة إلى الهداية والعمران الحق.

وهذا الجانب النظري والعملي للاعتقاد هو القيمة العليا للرأسمال الثقافي للمجتمع المسلم، الذي حاول البعض أن يشتريه ويحوله إما إلى اعتقاد فارغ المضمون والحياة والثمار، أو يفقد حركته الفكرة الثابتة المستقيمة الواضحة.

     وفي ذات المفهوم -أيضًا- يسعى القرآن إلى تخلية مفهوم “الإيمان”، من بعض الاعتقادات الخاطئة التي ترسخت في المجتمع الجاهلي، وهي المساواة بين إدارة شؤون الحجيج والإيمان بالله يقول تعالى: {أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [التوبة/19].

     هذا إعلان قرآني فارق في تاريخ المسجد الحرام وعلاقته بالإيمان.. يعلن عدم التسوية بين رعاية الحجيج، وخدمة الكعبة مهما كان مستوى تلك الخدمة وفنياتها وتقنياتها.. وما يتبعه من استغلال سياسي من قريش وورثتها.. وما يمكن أن يستتبعه من اختلال موازيين الفهم والإدراك فيما يتعلق بمسألة الإيمان.. لذلك جاء بيان القرآن أشبه بالإعلان الحاسم، لفض هذا الخلط المفاهيمي ويبين في ذلك ثلاثة بنود مهمة هي:

أ. خطورة الخلط بين شأن إدارة المسجد الحرام.. وشأن الإيمان بالله {لَا يَسْتَوُونَ عِندَ اللَّهِ}.

ب.  بيان حدود الإيمان والتي ليس من بينها بالطبع –إدارة المسجد الحرام- التي يمكن أن تقع في يد كافر أو منافق عديم الإيمان، لكن هذه الحدود تتمثل في: صدقية الإيمان بالله واليوم الآخر والعمل بمقتضيات هذا الإيمان ومصادقاته هو الجهاد في سبيل الله على وجوهه المختلفة.

ج. أنه وحتى لو وقع بيت الله في يد الظالمين والتزموا أمر الحجيج، فهذا لا يعني هدايتهم لأن الله {لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ}.

2. مفهوما «راعنا» و«انظرنا» ومدخل جديد للتعامل مع بناء المفهوم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا وَاسْمَعُوا} [البقرة: 104]. هنا مدخل مهم لإدراك طبيعة المفهوم الذي يُفهَم من الكلمة، فإن المفهوم كلمة، ولكنه ليس كلمةً فقط، بل أيضًا بما تحمله الثقافة التي تَشبَّع بها هذا المفهوم، وما حقيقته في تلك الثقافة ومقصوده، فرغم أن الكلمتين «راعنا» و«انظرنا» بمعنى قريب وواحد: (رَاعِنَا: فِعْلُ أَمْرٍ. أمر من المراعاة، أي: رَاعِنَا سَمْعَكَ، أي: اسمع لنا ما نريد أن نسألك عنه أو انظر في مصالحنا وتدبير أمورنا.. انْظُرْنا: انْظُرْ إِلَيْنَا، أو انْتَظِرْنَا وتَأَنَّ عَلَيْنَا وَأَمْهِلْنَا).. ولكن اليهود (البعد الثقافي للكلمة) كانت تَستخدم «راعنا» في سبِّ وتقبيح النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فجاء أمر الله للمؤمنين أن لا يقولوا هذه الكلمة ويستبدلونها بكلمة أخرى لا تحمل هذا التشبع الثقافي بالسب والتوبيخ، والذي كان يفعله اليهود معه صلى الله عليه وآله وسلم.

     3. العمى والبصيرة

    من وظائف القرآن – كما أسلفنا- دعم الرأسمال الثقافي للجماعة المسلمة بتصحيح مفاهيمها الملتبسة أو تجديد أصول بناء المفاهيم في العقل المسلم، ومن ذلك ما يتعلق بمفهوم “العمى”، حيث يطرحه القرآن مغايرًا لما يعهده البشر في واقع الحياة الاجتماعية، حيث لا يتصل “العمى” في القرآن بفقد حاسة “العين” القدرة على أداء وظيفتها من حيث رؤية الأجسام المادية الواقعة أمامها، ولكن يتعلق ببعد “الاعتبار” لحال الأمم والتاريخ، فإن فاقد الاعتبار للحوادث ونتائج الملمات ومقدماتها وهلاك الفرد والأمم والخسران بصفة عامة، من فقد الاعتبار بهذه الأشياء – التي يراها بعينيه (الحاسة) ويقرأ عنها أو يتوارث حكاياتها- من فقد هذا الاعتبار فهو الأعمى الذي يقصده القرآن، وفي هذا يشير القرآن {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَٰكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور} [الحج:46].فالقلب والعين والسمع إذا لم يعتبروا أصبح الإنسان أعمى حتى لو كان ذا بصر (عين) صالحة للرؤية المادية) لأنه فقد البصيرة أي الاعتبار). 

 ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

[1] انظر:

إبراهيم البيومى غانم وآخرون: بناء المفاهيم دراسة معرفية ونماذج تطبيقية، القاهرة، المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2000.

محمد البهي: الفكر الإسلامي الحديث وصلته بالاستعمار الغربي، القاهرة، مكتبة وهبة.

 

عن الشبكة نت

%d مدونون معجبون بهذه: