أخبار عاجلة
الرئيسية 08 شبكة العلوم 08 صحة الاسرة 08 صحة الاسرة السعرات الحرارية ودوّامة الاكتئاب..

صحة الاسرة السعرات الحرارية ودوّامة الاكتئاب..

فلنبدأ بالأشياء اليسيرة أولا. يحب عقلك تلك الحالة التي تتناول فيها الدهون والملح والسكر. نادرا ما صادفت الأدمغة دهونا وملحا وسكرا في الطبيعة حتى آخر مئة عام، وحينما توصلوا إليها، كانت القاعدة بسيطة: تناول كل شيء أمامك حتى ينتهي.

تطورتْ أدمغتنا لإفراز النواقل العصبية مثل الدوبامين (الذي يجعلك تشعر بالسعادة)، أو الإندورفين (أحد هرمونات السعادة المسؤولة عن تغيير حالة الشخص المزاجية عند الشعور بالألم أو التوتر)، أو الإندوكانابينويد (مجموعة نواقل عصبية لها دور في عمليات كالشهية والإحساس بالألم)، وذلك لشكرك على تناول الدهون والملح والسكر. بشكل أساسي، يرتبط سبب النشوة التي تُحفِّزها هذه النواقل العصبية بإبقاء الدماغ يقظا.

نعم، ستجعلك بعض الأطعمة أكثر سعادة ولكنها سعادة مؤقتة، ونظرا للطريقة التي تطور بها دماغك، فإن المتعة التي تشعر بها جرّاء تناولك للدهون والملح والسكر هي متعة سريعة الزوال. الأشخاص الذين يبيعون لك الأطعمة المشبعة بالدهون والملح والسكر يحبون بالفعل هذا الجانب من تطور الدماغ، الذي ينطبق أيضا على هزات الجماع، إذ تصبح المتعة قصيرة المدى نظرا للتصميم التطوري. إذن ما السبب وراء حدوث ذلك؟ ترتبط الإجابة بهدفَيْ الدماغ، وهما: البقاء، والإنجاب. تُفضِّل العقول تلك الحالة التي نستمر خلالها في الأكل وممارسة الجنس.

ماذا عن كل شيء آخر تتناوله؟ لو افترضنا أنك شخص طبيعي سليم، ومع تجاهل الدهون والملح والسكر، فإن الإجابة عن سؤال: هل هناك أي عناصر غذائية عليك تناولها لتشعر من خلالها بأنك أكثر سعادة وصحة؟ هي “لا”، لا يوجد أي دليل على الإطلاق يدعم مثل هذا الادعاء. في الواقع، لا يعمل الدماغ على هذا النحو أصلا.

لكن على العكس، ستجتاحنا نوبات اكتئاب، أو يراودنا الشعور بالتعاسة، أو نتعرَّض لإعاقات إدراكية جرّاء النظم الغذائية السيئة التي تحتوي على الكثير من الدهون والسكريات. تعتمد الادعاءات أو الأقاويل الشائعة التي تفيد بقدرة الطعام على تحسين مزاجك وتفكيرك على جعل نظامك الغذائي أقل ضررا أو أخف وطأة على صحتك العامة. بعبارة بسيطة: الأنظمة الغذائية السيئة مضرة بالدماغ، وفي المقابل لا تتوقع أن أي طعام معين سيجعلك سعيدا طوال اليوم. لنكرِّر مرة أخرى، لا تعمل العقول بهذه الطريقة، وتذكَّر أن كل ما تُقدِّمه هذه الطريقة لعقولنا هو فقط متعة سريعة الزوال.

ربطتْ أدلة كثيرة النظام الغذائي غير الصحي مع التدهور المعرفي والاكتئاب المرتبط بالسمنة، يحدث ذلك بسبب متلازمة الأيض (مصطلح طبي يُطلق على مزيج من بعض الأمراض يشمل أمراض ارتفاع ضغط الدم والسمنة، مما يؤثر سلبا على صحة القلب والشرايين)، وداء السكري، والسرطان. تؤدي هذه الحالات إلى التهاب مزمن على مستوى الجسم يُعرِّضنا للاكتئاب والتدهور المعرفي.

بالإضافة إلى ذلك، يمكن للاكتئاب أو القلق أن يؤديا إلى عادات غذائية سيئة، وبالمثل، قد تؤدي خيارات الغذاء السيئة إلى الاكتئاب والقلق، وعلى الرغم من أنه قد يكون من الصعب تحديد أيهما يأتي أولا بالنسبة لبعض الأشخاص، فإن معظم الدراسات ذات الصلة تُشير إلى أن النظام الغذائي غير الصحي يُمثِّل عامل خطر كبير لأعراض اكتئاب مستقبلية.

لسوء الحظ، توجد أدلة علمية دقيقة ولكنها محدودة للغاية بالنسبة للبشر للربط بين عناصر غذائية معينة ومزاجنا، لكن لدينا الكثير من الأدلة جرَّاء الدراسات التي أُجريتْ على الحيوانات (معظمها على القوارض)، لكن تتملّكني مخاوف كبيرة إزاء صحة هذه الدراسات وإمكانية تطبيقها على البشر، وذلك لاحتواء طعام القوارض على الكثير من الدهون غير الصحية، كذلك فإنه عادة ما يحتوي على سعرات حرارية عالية جدا من فول الصويا أو زيت الذرة والسكر. لا تُعتَبر هذه الأنظمة الغذائية طبيعية بالنسبة للقوارض نفسها، وبالأخص للاستهلاك البشري.

لا شك أن بعض الأنظمة الغذائية هي بالتأكيد أكثر فائدة من غيرها، فعلى سبيل المثال: ارتبط النظام ​​الغذائي المتوسطي بانخفاض خطر الإصابة بالاكتئاب (هذا النظام مستوحى من الأنماط الغذائية التقليدية في اليونان وجنوب إيطاليا، وبعض المناطق المتوسطية، ويشمل استهلاك نسبة عالية من زيت الزيتون والبقوليات، والفواكه، والخضراوات، وكميات معتدلة من الأسماك، ومنتجات الألبان، ونسبة منخفضة من اللحوم ومنتجاتها). لاحظ نوعية الاستنتاج هنا: لقد انخفض خطر الإصابة بالاكتئاب مقارنة باتباع نظام غذائي سيئ. لم يتوصل البحث في الأنظمة الغذائية الشائعة -مثل تلك التي توصي بتناول كميات كبيرة من البروتين أو الكربوهيدرات- إلى أي علاقة بين الحالة المزاجية ومحتوى العناصر الغذائية.

نقَّبت دراسة أخرى استمرت لمدة 23 شهرا في العلاقة بين النظام الغذائي والحالة المزاجية العامة، أُجريتْ هذه الدراسة على 84 شخصا بالغا يعانون من متلازمة التمثيل الغذائي. راقب العلماء بعناية حصص المشاركين اليومية من الحبوب والخضراوات والفواكه ومنتجات الألبان واللحوم، ونسبة الطاقة التي توفرها الدهون الكلية والمشبعة، وكذلك الكمية اليومية التي يتناولونها من الكوليسترول والصوديوم.

يُحدِّد عدد الأطعمة المختلفة المستهلكة يوميا مدى تنوع النظام الغذائي، وتُحَدَّد الحالة المزاجية اليومية بمقياس النظير البصري (هو أداة لقياس السلوكيات عند الإجابة عن أحد عناصر المقياس، يُحدِّد المستجيبون مستوى اتفاقهم مع عبارة ما بتوضيح موقفهم عند نقطة ما على خط متصل بين نقطتين).

أكَّدت النتائج أن النظام الغذائي السيئ الذي يحتوي على نسبة عالية من الدهون المشبعة ومستوى عالٍ من السعرات الحرارية يؤدي إلى الاكتئاب. ربما الأهم من ذلك أن تحليل الباحثين لتأثيرات عناصر غذائية معينة أشار إلى أن الأشخاص الذين استهلكوا المزيد من الماء، والألياف، وحمض الأسكوربيك (نعرفه أيضا بفيتامين C)، والتريبتوفان (هو حمض أميني ضروري لا يمكن تخليقه في الجسم بل يجب الحصول عليه من مصدر خارجي، ويساعد في الأداء الرياضي، والإقلاع عن التدخين)، والمغنيسيوم، والسيلينيوم، أبلغوا عن مزاج أفضل عموما. من المعروف أن اتّباع نظام غذائي غني بالبقوليات والفواكه والخضراوات مثل حمية البحر الأبيض المتوسط من شأنه توفير هذه العناصر الغذائية.

أوضحتْ إحدى النتائج المثيرة للاهتمام أن اتّباع نظام غذائي يحتوي على مجموعة متنوعة من الفواكه والخضراوات كان أكثر فعالية من اتباع نظام غذائي محدود التنوع. ليس من المعروف بعد الدور الذي تلعبه الألياف في التحكم بالحالة المزاجية، ولكن هناك احتمال أن ترتبط نتائج هذه الدراسة بوجود الألياف في معظم البقوليات والفواكه والخضراوات التي استهلكها المشاركون.

ولعلّ النقطة الأكثر تشجيعا لاستخلاصها من هذه الدراسة، ودراسات مماثلة، هي أنه لم يفت الأوان بعد للاستفادة من فوائد النظام الغذائي الصحي. كل ما عليك فعله هو ألا تتوقع أن أي طعام معين سيجعلك أكثر سعادة أو صحة. غالبا ما يؤدي نقص التغذية المفيدة إلى ضعف وظائف المخ، وعلى العكس، فإن اتّباع نظام غذائي صحي بإمكانه أن يُعيدك إلى مستويات طبيعية من وظائف الدماغ.

 

عن الشبكة نت

%d مدونون معجبون بهذه: