الانتخابات الأمريكية عام 2017م، وخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وتصاعد حركات اليمين المتطرف مصحوبة بخطابات العنصرية ومعاداة الإسلام، قد يتساءل القارئ عن العامل المشترك بين ما ذكرته من أحداث امتدت ظلال تبعاتها أبعد كثيرًا من الحيز الجغرافي الذي حدثت فيه، والعامل المشترك هو الخوارزميات.
ما المقصود بالخوارزميات؟
والخوارزمية في أبسط تعريفاتها مجموعة من التعليمات الرياضية تستهدف تحقيق غايةٍ محددة، وفي حالة وسائل التواصل الاجتماعي، تلك الغاية المحددة هي إبقاء المستخدم على التطبيق أطول فترة ممكنة.
ما الهدف من فكرة الخوارزميات:
ولما كان الإنسان بطبعه إلى مثله يسكُن، ومن نقيضه يأنف، ولما اعتاده يألف، اقتضت طبيعة تصميم تلك الخوارزميات أنها لا تعرض على المستخدم إلا ما شابهه وشاكله، حتى تصور له أن العالم كله يفكر مثله، وما ذلك إلا لأنها أعمته قصدًا عن رؤية المخالف، أو تصويره على أنه قلة، خارجة عن المألوف.
وإذا اختارت الخوارزمية عرض رأي للمخالف بين الفينة والأخرى، فذلك لاستثارة مشاعر الغضب والكراهية تجاهه التي ثبت أنها تزيد من الوقت الذي يقضيه أحدنا على تلك الوسائل، وأن ما تم تصديره لنا من سردية أننا نملك الحرية الكاملة حيال ما نراه وما يُعرض علينا، وأن هذه الوسائل ما هي إلا غايات لمقاصد نحن المتحكمون فيها، هو قول للخيال أقرب، وعن الصدق أنأى وأبعد.
اقتصاد الانتباه ورأسمالية البيانات
قد يظن المرء أنه بمعزل عن نظرية العرض والطلب بشقيها وهو يتصفح جواله، بيد أنه في مركزها، فالإنسان موضوع تلك النظرية من جهة كونه المعروض عليه باستمرار منذ نشوء الرأسمالية، وهي مستغنية ببادي ألفاظها عن تطلب وجه لتأليفها، فقد جعلت من الربح قِبلة يُولي وجهَه قِبلها كل من اتخذها مذهبًا.
والفارق الجوهري أنه فيما مضى كان الإنسان يتعرض بمحض إرادته لما يحتاج أو يُهيئ له عشوائيًا من خلال الدعاية والإعلان أنه يحتاجه، ويكون رد فعله لذلك العرض الإقدام على الطلب، أما في زمن اقتصاد الانتباه لم يعد ذلك الاستهداف بالدعاية والإعلان عشوائيًا، بل صار مفصلًا خصيصًاً لكل شخص، وكما ذكرنا آنفًا فالخوارزميات لا تعرض عليك إلا ما تعتقد أنه سيروق لك وبالتالي سيجعلك تقضي وقتًا أكبر على تلك الوسيلة أو ذلك الموقع.
كيفية عمل الخوارزميات؟
والطريقة التي تتعرف بها الخوارزمية عليك هي بتتبع سلوكك التصفحي والاستهلاكي على تلك الوسيلة، لنأخذ «يوتيوب» على سبيل المثال، فإذا دخلت على التطبيق وبدأت بمشاهدة أول فيديو يُعرض أمامك فهذا يعني أنك مهتم بموضوعه كفاية لتبدأ بمشاهدته، وإذا استمررت في مشاهدته فهذا مؤشر للخوارزمية أن تعرض لك المزيد مما شابهه من محتوى أو مما صُنف في نفس خانته من مواضيع، وبهذا تبدأ الخوارزمية تدريجيًا برسم تصور عنك، تصور لا يزيده الوقت الذي تمضيه على «يوتيوب» وغيره إلا دقة.
ثم ينتج عن هذا التصور ملف سلوكي يُمثّلك يُسمّى «الشخصية التسويقية» يتضمّن كل ما عرفته الخوارزمية عنك وإن لم تصرح به قولًا لكنك صرحت به في تصفحك فعلًا، ومن هذه الأمور: توجّهك السياسي، وحالتك العاطفية، ومستوى قلقك المالي، وميولك الديني، وهواجسك الصحية، ورغباتك الشرائية، إلى جانب مئات الأمور الأخرى.
أثر الخوارزميات على شركات التسويق
ثم يحين الدور على شركات التسويق التي اعتادت فيما مضى أن تعرض إعلاناتها في جريدة أو مجلة على أمل أن يجد منتجها صدى عند قارئ المجلة، وصارت الآن تلجأ لمنصات التواصل الاجتماعي لتجد قطعًا من هو مهتم بمنتجها، وتتولى المنصة عرض الإعلان، فيما يظل المعلن في معزلٍ تام عن معلوماتك الشخصية، وتجني المنصة عائدها، والذي نظرًا لدقته، انعكست قيمته في سعره، فصارت أرباح مواقع التواصل الاجتماعي تصل إلى قرابة 750 مليار دولار.
وجدير بالذكر أن 70% من أرباح جوجل كانت إعلانية.
وهذا ما أسمته شوشانا زوبوف في كتابها «عصر رأسمالية المراقبة»: أسواق العقود الآجلة السلوكية وأسواق العقود الآجلة العادية أسواقٌ يتّفق فيها طرفان على شراء أو بيع سلعةٍ بسعرٍ محدد في تاريخٍ مستقبلي معلوم، والسلعة في أسواقنا السلوكية هي تلك الشخصية التسويقية التي كونتها الخوارزميات التي نغذيها ليل نهار، فالحاصل أن هذه الشركات لا تبيع مجرد إعلانات؛ بل تبيع اليقينات السلوكية؛ أي القدرة على التنبؤ بما سنفعله بدقةٍ متناهية.
فما يُباع إذن ليس البيانات ذاتها كما يتوهم كثيرون، بل اليقين بشأن السلوك الاستهلاكي المستقبلي، فالمعلن لا يشتري هويّتك؛ بل يشتري تنبّؤاً بما ستفعله، ومن ثَمَّ، فإن المنتج لا يتمثّل في بياناتك، المنتج هو أنت، بوصفك نموذجاً احتمالياً قابلاً للاستغلال إلى ما لا نهاية.
من يقف وراء الستار؟
قد عرفنا فيما سبق من المستفيد من الاستحواذ على انتباهنا، وآن الأوان لنُعرج على مهندسي الخوارزميات، تلك العقول التي جردتنا من إرادتنا، وحولت الهواتف التي بين أيدينا إلى وسائل تسلب كل ذي لب لبه، وتحيط بنا إحاطة السوار بالمعصم، يكشف لنا الوثائقيُّ الشهير «المعضلة الاجتماعية» عن بعض تلك الوجوه، التي ظهرت نادمة على ما فعلت، متسائلة عن تبعات ما جنته على البشرية.
وما يعنينا هنا، هو أن بعض هؤلاء وقبل أن تطأ قدمه إحدى تلك الشركات موظفًا، كان بالفعل قد حاز من شهادات علم النفس أعلاها، وبلغ في فهم خبايا تلك النفس منتهاها، فجاءت تصميمات تلك المواقع مصدقة لذلك، فإدمانك تلك التطبيقات، وتصفحك لها باستمرار، واصطحابك لهاتفك في كل مكان، كلها أمور مقصودة، ومرام منشودة، وليس للصدفة فيها مجال، وكل منهم كان دوره واضحًا بينًا، وهو الإجابة عن سؤال وحيد بصورة عملية: كيف نستحوذ على جُل انتباه شخص ما؟ في سباق مستعر محموم بين مختلف تلك التطبيقات للإجابة عن هذا السؤال، والظفر بانتباه ذلك المستخدم، الذي هو في النهاية أنا وأنت.
وجدير بالذكر أن هذا التساؤل والجواب عليه ليس وليد اليوم ولا حتى البارحة، ولا هو وليد بداية ظهور الإعلانات على «فيسبوك» عام 2007م، بل هو قديم قدم الراديو والتلفاز، قد تعرض له الفيلسوف الألماني غونتر أندرس بالمناقشة في كتابه «تقادم الإنسان» في خمسينيات القرن الماضي، وناقش فيه كيف أن كل منا يعمل بوظيفة إضافية بعد انتهاء دوامه الأصلي دون أن يدري، وهي جعل نفسه أكثر ملاءمة للإعلانات التي تُعرض عليه، وأن وسائل الإعلام بسبب كونها عمومية في استهدافها، جعلت منا عموميين في رغباتنا، فسهلت استهدافنا بذلك، وكيف أن اجتماع الأسرة صار اجتماعًا مكانيًا، اجتمعت فيه الأبدان، وتفرقت فيه الأذهان يرى كل واحد منهم التلفاز يحدثه هو دون سائر أفراد أسرته.
واليوم انتقل كلامه من حيز المجاز إلى حيز الحقيقة، فصارت هواتفنا تخاطب كل واحد على حدة، مع كوننا جميعًا مستظلين بسحابة تسويقية لا تستهدف إلا تسليع أوقاتنا، نعتقد فيه أن الواقع بين أيدينا ونحن أبعد ما نكون عن العيش فيه، ويصل غونتر إلى خلاصةٍ صادمة مفادها أن البشر ليسوا متحكّمين في التكنولوجيا التي صنعوها؛ بل أصبحوا مُحرَّكين بها، فحين تُقرّر الخوارزمية (وقتها كان الراديو والتلفاز) ما تشاهد، فقد انتقلت سلطةُ الإرادة من الإنسان إلى الآلة، وهو تحولٌ لا يطال الحرية الفردية فحسب؛ بل يُهدّد البنى الاجتماعية والسياسية بأسرها، إذ يُصبح الرأي العام مصنوعاً لا مُعبَّراً عنه.
هل إلى خروج من سبيل؟
لا شك أن هذه الخوارزميات ساهمت بصورة أو بأخرى في انصرام حبات عقد هذه الأمة، وأنستنا أن ما يجمعنا أكثر بكثير مما يفرقنا، وأي عقبة كؤود تقف في وجه من جمعتهم كلمة فرق الله بها بين الحق والباطل، وجعلها سببًا في الفوز بالجنة والنجاة من النيران، ثم سلط الله كيانًا غاصبًا عادى كل من قال بهذه الكلمة دون تفرقة بين أحد منهم على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم، فعجيب أن تجمعنا «لا إله إلا الله»، ونعرف عدونا على التعيين والتحديد، ويعرفنا ويعمد إلينا بالقتل والأذى والدمار ثم نختار الفرقة والشتات على الاجتماع والوحدة، تلك الفرقة التي نهانا الله عز وجل عنها في محكم التنزيل، فقال سبحانه: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا) (آل عمران: 103)، وقال عز من قائل: (وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ) (الأنفال: 46).
إن مقلب النظر في أحوالنا على مواقع التواصل الاجتماعي لا يحتاج إلى تمحيص ليدرك أننا نتوهم انشغالنا بالواقع وبقضايا الأمة وأنها لو شغلتنا حقًا ما قضينا جل أوقاتنا في كل شيء سوى إنجاز عمل فعلي يساهم في حلها، لا ريب أن الحديث عن قضية معينة هو أول خطوات حلها، ولكن ألم يئن للذين آمنوا أن يخطو الخطوة الثانية، وأن يخطوها على أرض الواقع وليس على وسائل التواصل الاجتماعي فحسب، وأن يقوموا بأنفسهم بما يستنهضون الغير للقيام به؟!
ألم يئن للذين آمنوا أن ينحوا خلافاتهم جانبًا وعدوهم متربص بهم، ذلك العدو الذي تنسى فيه المعارضة خلافاتها مع السلطة القائمة لانشغال كليهما بسفك دماء المسلمين؟! بينما نحن ضحاياهم منشغلون بمن يجوز الترحم عليه من قتلانا ممن لا يجوز، حتى دماؤنا لم توحدنا، رغم أن سافكها واحد، وكيف لها أن توحدنا وقد أبينا أن نتوحد تحت راية «لا إله إلا الله».
اكتشاف المزيد من موقع جزائري ثقافي شامل
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
