تقوم فكرة هذه المقالة على فرضية مستنبطة من الآية الكريمة (وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ) (الحج: 32)، مفاد هذه الفرضية المستنبطة هي: أن مشاقَّ العبادة (الجسدية والمادية) ليست هي المقصد الأعلى من أداء مناسك الحج وشعائره العظيمة، ولكن أحوال القلوب هي المقصد الأسنى لهذا الأداء لشعيرة الحج في مبدئها ومنتهاها، ذلك لأن القلب في التشريع القرآني هو المنبع لكل العبادات وهو المصبُّ الذي يرفد إليه كل محصول الطاعة والعبادة. والعبادة التي نوجه إليها هي واحدة من أكثر العبادات مشقةً وعناءً وهي عبادة (الحج) الركن الخامس من أركان الإسلام.
مناسك الحج وشعائره عناءٌ للجسد وتزكيةٌ للقلب
توسطت آيات مناسك الحج وشعائره في سورة «الحج» الالتفات إلى أن غرض الحج والشعائر المرتبطة به هو الاستجابة القلبية كما الاستجابة المادية (الإتيان رجالًا (مشاة) أو على كل ضامر (ركبانًا).
وتبين الآيات أن القصد الأسنى ليس اختبار قوة الجسد، وإنما أوضحت الآيات أن المقصد من كل ذلك إنما هو تعظيم وتوقير حرمات الله أي ما حرم الله تعالى، قال جل شأنه: (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ) (الحج: 30)، فتوجهت الآية بعد حديث عن المناسك ومراتبها ومستوياتها، إلى حديث القلب فتحدد المقصد بأن هذا الجهد وتلك المشقة إنما غرضهما الأعلى هو توقير وتعظيم حرمات الله تعالى، وهذا يكون مقره القلب والوجدان ثم السلوك والجوارح.
إن الإرادة المراد بناؤها لدى المسلم من أداء فريضة الحج هي إرادة ترك المحرمات مطلقًا واجتناب إتيانها، وهذا يتطلب التطهر القلبي أولاً من آثار الذنوب والمعاصي بالتوجه ناحية الطاعات والمزيد منها نوافل وقربات، ثم عقد العزم النفسي ثم الاجتناب العملي للاقتراب من هذه المحرمات والمعاصي، وكأن الله تعالى يقول للمسلم: إنك قمت بالجهد الأقل، لكن هذا العناء والجهد المضاعف المبذول والذي تتفرد به هذه العبادة دون غيرها من العبادات الإسلامية، إنما مصبه في النهاية هو رافد تجنب المحرمات كليةً، ثم اختزال كل ما سبق في وصف هذا التجنب بأنه هو الخير الذي يعترف به الله تعالى (وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ)، فما لم يحدث هذا الاجتناب من المسلم فلا خير له عند الله تعالى، وكأنه لم يقم بشيء، من جهدٍ وعناءٍ ومشقةٍ.
ويصور صاحب «الظلال» هذا الخير بقوله: فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ: خير في عالم الضمير والمشاعر، وخير في عالم الحياة والواقع، فالضمير الذي يتحرج هو الضمير الذي يتطهر والحياة التي ترعى فيها حرمات الله هي الحياة التي يأمن فيها البشر من البغي والاعتداء، ويجدون فيها ساحة أمن، وواحة سلام، ومنطقة اطمئنان.
الانتقال من الجهد الجسدي إلى العزم القلبي
إن سياق الحج يفرض على المسلم كثيرًا من الانشغال والارتباط بالشعائر المادية، والحرص على عدم الفوت لأي منها حتى لا يبطل الحج أو يشوبه نقص، وربما ينشغل المسلم بهذه الارتباطات (المادية من الطواف والسعي والرمي والذبح) التي يُسَّلِمُ بعضها بعضًا نتيجة لتتابعية المناسك، ربما في تلك الانشغالات يتزاحم على القلب وينسى الغرض الأسمى للحج وهو التطهر القلبي الكامل، والخلوص الكامل في التوجه إلى الله تعالى وإلى القصد لعظمته جل جلاله.
لذلك تأتي الآيات المتخللة لآيات الشعائر والمناسك تنبيه لمن قد يصيبه غفلة القصد والتوجه، بالتذكير بأن القلب هو مركز هذه الطاعة وهو منبعها ومصبها في النهاية، فتكون التزكية الوجدانية هي الغرض الأعلى لركن الحج وشعائره، أما مستويات هذه التزكية فجاءت على مراتب: ذكر الله، التقوى، الإخبات، الوجل، أي تحقيق الانقياد القلبي قبل الانقياد العملي والسلوكي.
وجاء التوجيه إلى «ذكر الله» في أكثر من موضع في آيات الحج في سورة «الحج» قال تعالى في الآية (28) التي تعلق جانب الذكر فيها بالذبح وهو الأمر الذي يتعلق بالجوارح الظاهرة: (وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ) حيث تلفت الآية الحاج إلى أن ينتقل من الفعل الظاهر (ذبح الهدي) إلى الفعل الباطن (الارتباط بجلال الله وعظمته)، فالغرض من الذبح بـــ«اسم الله» هو التقرب إليه تعالى لا إلى غيره كما كان يفعل المشركون.
كما تُبين الآية (32) من سورة «الحج» طبيعة ذلك الانتقال وموطن تعظيم حرمات الله من الجهد المادي والتحول إلى العزم القلبي على التسليم الكامل لأوامر الله تعالى والوقوف عند نواهيه، يقول جل وعلا: (ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى الْقُلُوبِ).
كما توضح الآية (37) من نفس السورة أن قصد هذه الشعائر جميعها هو بناء النفس المؤمنة المطيعة لله تعالى، فالله تعالى ليس في حاجة إلى ذبائح وإلى ما ينتج عنها ولكن (يَنَالُهُ التَّقْوَىٰ مِنكُمْ) وهي الإخلاص الذي يصاحب القيام بهذه الأعمال الشاقة (المناسك والشعائر)، فلا تكون على سبيل التفاخر والسمعة والرياء وشراء لقب (حاج) في الوسط الاجتماعي الإسلامي.
وإن سُئل لماذا ذكرت التقوى وارتباطها بالقلوب رغم أن شعائر الحج واضحة يؤديها المؤدي، وتبدو جميعها في الممارسة العملية/السلوكية الظاهرة لهذه الشعائر؟ فإن جوابنا: لأن المنافق يُظْهِر التقوى وقلبه خالٍ عنها، فلا يكون مجدًّا في أداء الطاعات، أما المُخلص فتقوى الله في قلبه، فيبالغ في أدائها على سبيل الإخلاص.
كأن ما يَقَرُ في القلب من إيمان وإخلاص يظهر على الجوارح بالحرص والمتابعة والترقب الصادق لوجوه أداء المناسك والشعائر، دون التراخي والإهمال، أو الأداء على سبيل التخلص والخلاص منها.
إن السلوك الإسلامي يأخذ من معين القلب الصادق التقي حلاوة الطاعة والسير والانتقال من منسك إلى آخر ومن شعيرة إلى أخرى، وكأنه يحصلها بقلبه لا بجوارحه.
ومن الإشارة إلى استقرار التقوى في القلب، تصور الآيات فعل التقوى وآثاره في قلب المسلم التي تظهر في حالات: الإخبات والوجل والإحسان؛ ففي الإخبات يقول تعالى في نهاية الآية (34) من سورة «الحج» (فَلَهُ أَسْلِمُوا ۗ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ)، وقيل في الإخبات تسع صفات: التواضع، والخشوع، والخوف، والإخلاص، ورقة القلب، والاجتهاد في التقرب إلى الله، الصلاح والاطمئنان، الذين لا يظلمون.
وفي الوجل: تشير الآية (35) (الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ) إلى فعل الوجل: يلفت الرازي إلى المعنى بقوله: الوجل: الخوف من عقاب الله تعالى والخشوع والتواضع لله، ثم لذلك الوجل أثران أحدهما: الصبر على المكاره، والثاني: الاشتغال بالخدمة وأعز الأشياء عند الإنسان نفسه وماله.
وفي الإحسان: يقول تعالى في نهاية الآية (37) سورة «الحج»: (وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ)، وهم أي الذين يريدون بالعبادة وجه الله تعالى وحده ويؤدونها على الوجه المشروع، وقيل: المراد بهم المخلصون، وقيل: الموحدون، والظاهر أن المراد بهم كل من يصدر منه من الخير ما يصح به إطلاق اسم المحسن عليه.
(فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) (الحج: 30)؛ وتتمة الآية (30) من سورة «الحج» تُظْهِرُ هذا الرباط العظيم بين الأمر بتجنب الشرك بالله تعالى، وبين قول الكذب والبهتان (الزور)، ويزول العجب عندما نعلم أن الشرك زور بالقول والفعل، فحقيقة الشرك: الاعتقاد أن هناك مستحقًّا للعبادة غير الله تعالى وهذا عين الزور والبهتان، وأن الزور شرك، حيث يحل الباطل محل الحق وتتبدد الحقيقة ويقوم الكون والمجتمع على أساس من الشك والارتياب أي الشرك المعرفي والاجتماعي.
وفي بيان العَلاقة بين الشرك وقول الزور يرى النسفي كأنه قيل: فاجتنبوا الرجس الذي هو الأوثان، وسمى الأوثان رجسًا على طريقة التشبيه يعني أنكم كما تنفرون بطباعكم عن الرجس فعليكم أن تنفروا عنها. وجمع بين الشرك وقول الزور أي الكذب والبهتان أو شهادة الزور وهو من الزور وهو الانحراف، لأن الشرك من باب الزور إذ المشرك زاعم أن الوثن يحق له العبادة.
ويضيف الرازي في بيان سبب هذه العَلاقة (الشرك وقول الزور) فيقول: لأن توحيد الله تعالى وصدق القول أعظم الخيرات، وإنما جمع الشرك وقول الزور في سلك واحد لأن الشرك من باب الزور، لأن المشرك زاعم أن الوثن تحق له العبادة فكأنه قال فاجتنبوا عبادة الأوثان التي هي رأس الزور، واجتنبوا قول الزور كله، ولا تقربوا منه شيئًا لتماديه في القبح والسماجة، وما ظنك بشيء من قبيله عبادة الأوثان وسمى الأوثان رجسًا لا للنجاسة، لكن لأن وجوب تجنبها أوكد من وجوب تجنب الرجس ولأن عبادتها أعظم من التلوث بالنجاسات.
الالتفاتة التي نرغب في توجيه النفس المسلمة إليها هي أن العبادات الإسلامية مهما كانت متطلبات الأداء فيها القوة البدنية وبذل الجهد والعناء والمشقة فإن مصبها القلب، كما كان منشأها أيضًا القلب بالنية الصادقة والتوجه الصائب بالقلب والعزم والصدق ناحية الله تعالى لا غيره، وهو ما يؤكد أن غاية العبادات جميعها هي بناء النفوس العابدة لله وحده دون أي شائبة للعجب أو الشرك صغيره أو كبيره.
د. حسان عبدالله حسان
اكتشاف المزيد من موقع جزائري ثقافي شامل
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
