بدأت دوائر الأمن القومي في دولة الاحتلال تنظر بقلق متزايد إلى التحولات الجارية داخل المجتمع الأمريكي، في ظل مؤشرات متسارعة على تراجع الدعم التقليدي لها خصوصا بين اليهود الأمريكيين والشباب الليبراليين المرتبطين بالحزب الديمقراطي.
جاء هذا القلق بوضوح في تقديرات صادرة عن معهد دراسات الأمن القومي في جامعة تل أبيب، أحد أبرز مراكز التفكير الاستراتيجي الصهيوني الذي حذر بوضوح من أن السياسات الإسرائيلية الحالية قد تؤدي إلى خسارة واحدة من أهم ركائز النفوذ الإسرائيلي داخل الولايات المتحدة.
توتر غير مسبوق وتغيرات حقيقية
ويرى باحثون صهاينة، أن العلاقة التاريخية بين دولة الاحتلال والجالية اليهودية الأمريكية تمر بمرحلة غير مسبوقة من التوتر، بعدما كانت لعقود تمثل ركيزة أساسية للدعم السياسي والإعلامي والمالي الذي حظيت به دولة الاحتلال داخل واشنطن.
ويشير التقرير إلى أن التوسع الاستيطاني، وصعود التيارات القومية والدينية المتشددة، إضافة إلى الحرب في غزة وما خلفته من أعداد كبيرة من الضحايا المدنيين الفلسطينيين، كلها عوامل ساهمت في اتساع الفجوة بين دولة الاحتلال وقطاعات واسعة من اليهود الأمريكيين، خاصة الشباب الليبراليين.
وتعزز أحدث الدراسات الأمريكية هذه المخاوف الإسرائيلية، فقد كشف استطلاع واسع أجراه مركز “بيو” الأمريكي للأبحاث في أبريل/نيسان 2026 عن تحول لافت في المزاج العام داخل الولايات المتحدة تجاه دولة الاحتلال.
وأظهرت الدراسة أن 60% من الأمريكيين باتوا يحملون نظرة سلبية تجاه “إسرائيل”، مقارنة بـ53% فقط قبل عام واحد، في مؤشر على تراجع سريع في صورتها داخل المجتمع الأمريكي.
وأظهرت الدراسة أيضاً أن 80% من أنصار الحزب الديمقراطي ينظرون إلى دولة الاحتلال بصورة سلبية، وهي نسبة تعكس اتساع الفجوة بينها وبين القاعدة الشعبية للحزب الذي ظل تاريخيا أحد أهم حلفائها السياسيين في واشنطن.
ولم يقتصر التغير على الديمقراطيين فقط، إذ سجلت الدراسة أيضا تراجعا في مستوى التأييد بين الجمهوريين الشباب، ما يشير إلى تحول أوسع داخل الأجيال الأمريكية الجديدة.
وفي دراسة تحليلية نشرها معهد دراسات الأمن القومي الإسرائيلي تحت عنوان “إسرائيل تخسر شباب أمريكا”، حذر الباحثون من “انهيار حاد” في صورة دولة الاحتلال لدى الأمريكيين الشباب، بمن فيهم فئات كانت تعتبر تاريخيا قاعدة دعم ثابتة لها، مثل المسيحيين الإنجيليين البيض والشباب المحافظين.
وخلصت الدراسة إلى أن دولة الاحتلال تواجه أزمة متنامية في قدرتها على الحفاظ على التعاطف الأمريكي طويل المدى، خاصة مع تحول القضية الفلسطينية داخل الجامعات والإعلام الأمريكي إلى قضية حقوق إنسان وعدالة سياسية.
وتكشف دراسات أخرى عن تغيرات عميقة حتى داخل المجتمع اليهودي الأمريكي نفسه، فقد أظهر استطلاع نشرته الوكالة اليهودية الأمريكية مطلع عام 2026 الجاري، أن ثلث اليهود الأمريكيين فقط باتوا يعرفون أنفسهم بأنهم “صهاينة”، رغم استمرار أغلبية كبيرة منهم في دعم وجود “إسرائيل” كدولة يهودية.
وسجل الاستطلاع ارتفاع نسبة الشباب اليهود الذين يصفون أنفسهم بأنهم “معادون للصهيونية”، في مؤشر على تراجع الارتباط العاطفي والسياسي التقليدي بدولة الاحتلال بين الأجيال الجديدة.
أزمة أعمق
وتشير هذه التحولات إلى أن دولة الاحتلال لم تعد تواجه فقط أزمة صورة مرتبطة بالحرب في غزة، بل أزمة أعمق تتعلق بتغير القيم السياسية والثقافية داخل المجتمع الأمريكي نفسه، خصوصا بين الشباب والتيارات الليبرالية التي أصبحت أكثر حساسية تجاه قضايا حقوق الإنسان والاحتلال والحروب.
ويرى مراقبون أن هذه المتغيرات لا تعني بالضرورة انهيار التحالف الأمريكي الإسرائيلي في المدى القريب، إذ ما تزال دولة الاحتلال تحظى بدعم قوي داخل الحزب الجمهوري والأوساط الإنجيلية المحافظة، إضافة إلى استمرار التعاون العسكري والاستراتيجي العميق بين واشنطن وتل أبيب.
لكن القلق الإسرائيلي يتمثل في احتمال فقدان الإجماع الحزبي الأمريكي التقليدي حول دعم دولة الاحتلال، وتحولها تدريجيا إلى قضية خلافية داخل السياسة الأمريكية، وهو ما تعتبره المؤسسات الاستراتيجية الإسرائيلية تهديدا بعيد المدى يمس أحد أهم أعمدة الأمن القومي الإسرائيلي منذ تأسيس الدولة.
وبينما كانت دولة الاحتلال تنظر لعقود إلى اليهود الأمريكيين باعتبارهم خط دفاع سياسي مضمون داخل الولايات المتحدة، فإن التحولات الحالية تشير إلى أن هذا الرصيد التاريخي بدأ يتآكل بصورة متسارعة، في تطور قد يعيد رسم طبيعة العلاقة الأمريكية الإسرائيلية خلال السنوات المقبلة.
ويرى محللون سياسيون أمريكيون أن القضية الفلسطينية تتحول تدريجيا داخل الحزب الديمقراطي من ملف سياسة خارجية إلى قضية داخلية ترتبط بالهوية السياسية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، خصوصا لدى الأجيال الشابة.
ويقول هؤلاء إن صعود شخصيات تقدمية داخل الحزب، مثل الجناح المحسوب على بيرني ساندرز وألكساندريا أوكاسيو كورتيز، يعكس تغيرا أعمق في المزاج السياسي الأمريكي تجاه دولة الاحتلال.
ويحذر بعض الاستراتيجيين الديمقراطيين من أن تجاهل هذا التحول قد يضع الحزب أمام أزمة داخلية متصاعدة، فالمحلل الديمقراطي المعروف جيمس كارفيل، يرى أن تصاعد الخطاب المعادي لدولة الاحتلال داخل بعض الأوساط التقدمية قد يتحول إلى عبء انتخابي على الحزب الديمقراطي، في وقت تتزايد فيه الانقسامات الداخلية حول مستقبل العلاقة مع دولة الاحتلال.
في المقابل، يرى محللون آخرون أن دولة الاحتلال لن تخسر الدعم الأمريكي بالكامل، لكنها قد تفقد موقعها التقليدي كقضية تحظى بإجماع وطني أمريكي.
ووفق هذه القراءة، فإن مستقبل العلاقة بين واشنطن وتل أبيب سيتجه نحو مزيد من “التسييس الحزبي”، بحيث يصبح دعم دولة الاحتلال مرتبطا أكثر بالحزب الجمهوري والمحافظين، بينما يتراجع تدريجيا داخل الأوساط الديمقراطية والشبابية.
اقرأ المزيد عبر المركز الفلسطيني للإعلام
اكتشاف المزيد من موقع جزائري ثقافي شامل
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
