ما أن يضع الحاج رحاله في مكة المكرمة، حتى تتلقفه أمواج بشرية هادرة في زحام شديد، حيث تتداخل اللغات والثقافات التي يستغلق فهم معظمها، وفي خضم هذه الرحلة، حيث تجتمع مشقة الأبدان مع الحرارة الشديدة، وتتوالى المواقف التي تكاد تستفز أحلم الناس وأكثرهم هدوءاً، يتجلى التوجيه القرآني ليضبط سلوك الحاج، ممهداً لحالة استثنائية من الرقي الإنساني؛ وهي «عبادة الانضباط الأخلاقي والنفسي».
يقول الله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ ۚ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) (البقرة: 197)، ورغم تعدد محظورات الإحرام وتنوعها، فإننا سنسلط الضوء في هذه السطور على لفتة قرآنية بالغة الدقة، تمس جوهر حياتنا اليومية حتى بعد انقضاء الفريضة؛ وهي: لماذا أفرد الله تعالى «الجدال» بالنهي الصريح والتحذير؟ ولماذا خُصّ بالذكر من بين عشرات المزالق السلوكية والآفات الأخلاقية التي قد ينجرف إليها الإنسان تحت الضغط النفسي إن لم يعصمه ضابط إيماني متين؟
أولاً: لأن الحج مدرسة لتهذيب الانفعالات وليس ميداناً لاستفزازها:
السكينة التي نعتاد عليها في أوقات الراحة لا تُمثل معياراً حقيقياً لاختبار أخلاق الإنسان؛ ففي أوقات الرخاء يسهل على الغالبية إحكام السيطرة على طباعهم وإظهار أنبل ما في نفوسهم، غير أن الأخلاق الحقيقية لا تتجلى صورتها الصادقة إلا في وقت الضغط والمشقة.
من هنا، يقف الحج كأعظم ميدان تتجلى فيه هذه الحقيقة؛ فهو عبادة خالصة لترويض النفس وتهذيب انفعالاتها بدلاً من الاستسلام لاستفزازات الموقف.
ولنا في النبي صلى الله عليه وسلم الأسوة الحسنة؛ فقد جسّد هذه القيم في حجة الوداع، فبرغم قدره ومقامه الشريف أدى النسك في قمة التواضع والأريحية والرفق واللين، ليُعلّم الأمة أن من غايات الحج كسر كبرياء النفس، والارتقاء بالخُلق فوق كل اعتبار مهما اشتدت الخطوب، فعن قدامة بن عبدالله قال: «رَأَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْمِي جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ عَلَى نَاقَةٍ صَهْبَاءَ، لَا ضَرَبَ، وَلَا طَرَدَ، وَلَا إِلَيْكَ إِلَيْكَ» (أخرجه النسائي)، ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس الشديد بالصُّرَعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» (متفق عليه).
ثانياً: لأن الجدال يُخرج العبادة عن غايتها ويجعلها صراعاً شخصياً:
وحين يشتد الجدال، يدخل الإنسان في حالة الانتصار للنفس والرأي، ويخشى الخسارة، فيتحول القلب من روحانيته وقداسة الموقف، إلى الغضب ومحاولة إثبات الذات، وقد حذر النبي صلى الله عليه وسلم من الجدال حتى لو كان صاحبه محقاً، فقال: «أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقاً» (رواه أبو داود).
ثالثاً: لأن الزحام مرآة للنفوس:
الأخلاق لا تُختبر في أوقات السعة والرخاء، بل تتجلى حقيقتها في قسوة الزحام ومشقة الحج؛ حيث تسقط أقنعة التصنع المعتادة، ويصبح الحلم والتغافل وكظم الغيظ المحك الحقيقي لجوهر الإنسان، ولهذا يقول تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران: 134).
رابعاً: لأن الحج يهدم مظاهر التفاوت الاجتماعي:
ربما أغلب المتجادلين لا يسعون للحقيقة، وإنما يرفضون التراجع عن الرأي، فتأبى النفوس على الاعتراف بالخطأ، ولأن الحج يمثل رحلة التجرد لله تعالى؛ فإنه لا يستقيم لمن خلع زينة الدنيا عن جسده، أن يُبقي في طياته شيئاً من أمراض القلوب كالكبر، ولذلك قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر» (رواه مسلم).
خامساً: لأن الإسلام جاء ليُطهر الحج من نعرات العصبية:
وهذا هو الفرق الكبير بين الحج قبل الإسلام وبعده، فقد كان الحج في الجاهلية تفاخراً بالأنساب والأحساب، فتحول بالإسلام لموسم ذكر وعبادة ووحدة للأمة، يقول الله تعالى: (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا) (البقرة: 200)؛ ولهذا منع الجدل ليصبح موسماً للوحدة وإزالة الخصومات والعصبيات.
سادساً: لأن العبادة الحقيقية تظهر في التعامل مع الناس:
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: «المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده» (متفق عليه)، وهذا السمت هو حال المسلم الدائم الذي لا ينفك عنه، فالحج يعلم ويدرب الإنسان على التحلي بالأخلاق، فمناسكه ليست مجرد طواف وسعي وذكر وحسب، بل الغاية أن ينعكس أثر هذه العبادات على السلوك خاصة مع الناس بعضهم بعضاً، فالحاج الحقيقي هو من يضبط نفسه ويكف أذاه عن إخوانه المسلمين، حتى وإن دفعته مشقة الزحام للاستفزاز أو الغضب.
سابعاً: لأن الجدال يُنهك القلب ويُضيع جوهر العبادة:
الحاج أتى لتلك البقاع الطاهرة تاركاً الدنيا بهمومها، قاصداً بيت الله الحرام، يبتغي ما عند الله، إلا أن الجدال يسلب المرء هذه الروحانيات؛ فتتلاشى روح العبادة وتضيع حلاوتها في غمرة الانفعال وآثاره.
ثامناً: لأن الحج مدرسة للتخلي.. لا للتملك:
الحج مدرسة تُربي المسلم على التجرد مهما علت مكانته؛ فيتخلى عن زينة لباسه ومباحاته، ويمتد هذا السمو ليترك الجدال ويتنازل عن حظوظ نفسه إيثاراً للأخوة، موقناً أن سلامة الصدور وائتلاف القلوب أعظم وأجلّ من الانتصار للرأي.
ويجسد عمر بن الخطاب ذلك المعنى حين قال عن الحجر الأسود: «إني أعلم أنك حجر لا تضر ولا تنفع، ولولا أني رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقبلك ما قبلتك» (متفق عليه)، فالمقصود هنا الاستسلام والإذعان لله وترك الهوى وحظ النفس.
تاسعاً: لأن الأمة لا تبنى وسط الخصومات الدائمة:
من مقاصد الحج إعادة بناء للنفس، وبالتالي فهو إعادة بناء للأمة بأكملها، والجدال لا ينبني عليه سوى الخصومات والصراع، والأمم التي تعجز عن إدارة خلافاتها بحكمة وهدوء، يصعب عليها أن تحافظ على وحدتها، فضلاً عن أن تبني حضارتها.
اكتشاف المزيد من موقع جزائري ثقافي شامل
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
