تتميز العلاقات بين المسلمين بميزات لا تتوافر لغيرهم، حيث إن القانون الذي يحكمهم وينظم تلك العلاقة ليس قانوناً بشرياً، بل شريعة حددها الله تعالى على أسس وثوابت، تحكمها مظلة الأخوة في الله للمسلمين جميعاً؛ يقول تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ) (الحجرات: 10).
ومن مقتضيات الأخوة التآزر والتكامل والتعاون وحل النزاعات سلمياً ونصرة المظلوم فيما بينهم، أو كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً»، قالوا: يا رسول الله، هذا ننصره مظلوماً، فكيف ننصره ظالماً؟ قال: «تأخذ فوق يديه» (أخرجه البخاري)، فلا يعتدي بلد من بلاد المسلمين على بلد مسلم آخر، وإذا وقع الأمر، وجب على بقية المسلمين الصلح بينهما.
وفي هذا يقول الخليفة معاوية بن أبي سفيان: لا أضع سيفي حيث يكفيني سوطي، ولا أضع سوطي حيث يكفيني لساني، ولو أن بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت، قيل: وكيف ذلك يا أمير المؤمنين؟ قال: كانوا إذا مدوها خليتها، وإذا خلوها مددتها(1).
فما المفهوم العملي لشعرة معاوية؟ وما كنه العلاقات الدولية بين المسلمين؟
المفهوم السياسي لشعرة معاوية
يتمحور المفهوم السياسي لمفهوم شعرة معاوية حول 3 دوائر بحيث ترتبط كل واحدة والأخرى بشكل لصيق كالتالي:
1- احتمالية وقوع الخلاف بين المسلمين:
لا تفرض الشريعة تصوراً وحيداً للعلاقة بين الدول الإسلامية، وإنما تؤسس لشكل العلاقة، وتضع احتمالاً كبيراً للخلاف الطبيعي بين البشر، وقد سنَّه الله في ملكه، فقد خلق الناس مختلفين حتى في درجات إيمانهم، وسبق الحدث بوضع الحل إذا حدثت المشكلة، فقال تعالى: (وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) (الحجرات: 9)، فالاقتتال محتمل، لكن الصلح بينهما واجب.
2- المرونة مع الثبات:
وكان معاوية بن أبي سفيان العاقل الحكيم يعلم جيداً ما يقول، فشد الشعرة لا يعني عدم إبداء المرونة الكافية لإنهاء أي خلاف قائم، ولا يعني ترك الحبل على غاربه والتنازل عن الثوابت كالسكوت على الاعتداء دون وضع حدود تمنع الاعتداء مستقبلاً.
3- الحفاظ على قنوات الاتصال:
فحتى في ذروة الخلاف، يجب ألا تغلق قنوات الاتصال بين الأطراف المتحاربة، وليكن هناك طرف عاقل بين الدولتين أو المجموعة من الدول ليكون هناك مجال للإصلاح بين الإخوة في الدين والعقيدة.
أزمة العلاقات بين المسلمين اليوم
والصراع الدائر في المنطقة اليوم ليس الأول، فقد شهد التاريخ الإسلامي صراعات أخرى بدليل تداول الخلافة من الأموية للعباسية وغيرها، وحديثاً، وبالرغم من المرجعية الدينية للدول الإسلامية، فإن العلاقات بينها تعاني من اختلالات عميقة لعل أبرزها تسييس الهوية الدينية، وذلك حين تصدر عبر وسائل إعلام أعداء الأمة الخلافات المذهبية وتؤجج لتبرير تلك الصراعات والخلافات.
أيضاً هناك شيء من الاستسلام لدائرة خارجية تجعل المسلمين ألعوبة في يد أعدائهم ليزيد الصراع وينقطع أمل الرجوع لطاولة الصلح، في هذا السياق تغيب شعرة معاوية، ليحل محلها الحصار، والقطيعة، والاعتداء، وقتل الأبرياء دون مراعاة لأخوة أو تاريخ أو مستقبل ومصير مشترك.
بين السياسة الدولية والتراث الأخلاقي
من منهجية الشريعة الإسلامية، أنها لا تكتفي بمجرد الدعوة إلى الوحدة وإزالة الخلافات بين الدول، كما يحدث في القوانين التي تصدرها الأمم المتحدة ولا تملك سوى إصدارها دون تنفيذها، وأما التراث الإسلامي فقد ألزم المسلمين بالتحرك الفوري لضبط الخلاف وإرجاع الحقوق لأصحابها، ويتمثل ذلك في قوله تعالى: (فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ).
فهو تكليف شرعي واجب، والفكاك منه فكاك من أحكام شرعية دينية ووقوع في معصية، وفي إصلاح الخلاف يجب تجنب الظلم انطلاقاً من قاعدة: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ) (المائدة: 8)، ويمكن اعتبار هذه القواعد الربانية أنها الأساس الأخلاقي لما يسمى اليوم بدبلوماسية شعرة معاوية.
تطبيقات معاصرة
ولو أردنا اليوم تطبيق هذا المفهوم على واقعنا الإسلامي الآن، يمكن أن تستوعبه 3 مسارات:
1- الدبلوماسية المرنة:
ومن هنا يمكن الانتقال بسلاسة بين مبدأ «هذه هي شروطي وإلا فلتكن القطيعة والخلاف»، إلى سياسة «إدارة الخلاف»، وذلك عبر قنوات اتصال حريصة على الإصلاح وليس الكسب من استمرار الخلاف «فأصلحوا بين أخويكم»، ولتبدأ المباحثات والنقاشات بشكل جزئي تلتف حول نقاط الاتفاق، ثم تطرح التفاصيل فيما بعد.
2- تحييد المصالح التي تخص الشعوب:
وهنا يجب أن تكون الثوابت واضحة بين المسلمين حتى في حالات التوتر والخلاف، ومن هذه الثوابت المصالح الاقتصادية، فلا يمس كل ما يتعلق بأقوات الناس ومصالحهم، وعدم التعرض للبنية التحتية لأي قُطر من الأقطار، ولا يتم تهديد النساء أو الأطفال أو كبار السن أو غير المحاربين، والحفاظ على الأمن الغذائي.
3- إعادة تعريف مفهوم النصر:
المنتصر ليس من يقتل عدداً أكبر، ولا من يدمر أكثر، ويجب تبني مفهوم «الاستقرار المشترك الذي يشمل كافة دول الجوار»، فوقف العدوان وحده يمثل نصراً كبيراً بين المسلمين.
تحديات التطبيق العملي
ولأن الأمة قد ابتعدت كثيراً عن إدارة خلافاتها وفق الشريعة الإسلامية، فهناك تحديات أمامها إن أرادت استعادة منهجية الإصلاح فيما بينها، ومنها أن البعض قد يعرض عنه على اعتبار أنها قد تفسر على غير حقيقتها بأنها ضعف أو تنازل، وأيضاً غياب الثقة بين الأطراف، وقد يكون هناك تضارب في المصالح أحدثه الواقع، ولذلك فحتى يستوعب الجميع أهمية النصوص الشرعية والعلاقة بين دول المسلمين، فيمكن استخدام آليات أخرى لسياسيين حتى من غير المسلمين.
شعرة معاوية ليست مجرد عبارة حالمة يكتبها البعض كدعوة غير واقعية، بل هي الواقع الذي تحقق يوماً وقدم للعالم صورة مشرقة، ولم تتحقق بعد إلا في حدود ضيقة، وعبر ائتلافات لا تشمل المسلمين جميعاً، وبالرغم من حالة التدهور الحاصلة، فإنه ما زال من الممكن ترميم تلك العلاقات، بل وإعادة تشكيلها من جديد، لقد أصبحت شعرة معاوية ضرورة تاريخية، واحتياجاً تأسيسياً لإعادة الأمة لمسارها، عبر آليات جديدة ومعاصرة.
اكتشاف المزيد من موقع جزائري ثقافي شامل
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.
