لم يمض سوى ساعات قليلة على إعلان المبعوث الأمريكي ستيف ويتكوف، مساء الأربعاء 14 يناير 2026م، عن بدء المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار في غزة، حتى جاء رد «إسرائيل» العملي على ذلك بأنها قامت بقتل 11 فلسطينياً في غزة فقط يوم الخميس 15 يناير الجاري، مع العلم أن «إسرائيل» انتهكت اتفاق وقف إطلاق النار في المرحلة الأولى التي بدأت في أكتوبر 2025م أكثر من 1244 انتهاكاً موثقاً، استشهد فيها 1459 فلسطينياً، وأصيب أكثر من 200 فلسطيني.
وجاء تصريح ويتكوف بعد أن تم إعلان التوافق على لجنة التكنوقراط الفلسطينية التي ستدير قطاع غزة بعد عدة اجتماعات مع الفصائل الفلسطينية في القاهرة، وقد رحب بيان صادر عن الوسطاء (مصر وقطر وتركيا) باكتمال تشكيل لجنة التكنوقراط الفلسطينية التي تضم 15 عضواً برئاسة علي شعث، وهو نائب وزير سابق في السلطة الفلسطينية، ولكن هذه الإدارة ستكون تابعة لمجلس السلام الذي سيمثله نيكولاي ميلادونوف، المبعوث السابق للأمم المتحدة لعملية السلام في الشرق الأوسط، وزير الخارجية البلغاري السابق، وعين ممثلاً أعلى جديداً لـ«مجلس السلام»، برئاسة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب.
ولعل أهم نقطة يمكن أن نشير لها أن الإعلان عن بدء المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار تم دون اعتماد نزع سلاح المقاومة الفلسطينية كشرط للمضي للمرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، وهو الأمر الذي كان يشترطه نتنياهو، وقد كان للوسطاء دور كبير في الضغط بأن المضي إلى المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار يجب ألا يرتهن لمزاج الحكومة «الإسرائيلية» أو تفسيرها الأحادي لنزع السلاح.
لجنة التكنوقراط
لا يعتبر الفلسطينيون لجنة التكنوقراط التي ستدير غزة حالة مثالية أو حالة منطقية؛ لأنها فرضت عليهم تحت ظروف استثنائية، ولكنها من جهة أخرى دليل على فشل كل الأشكال غير الوطنية التي حاول الاحتلال فرضها بالقوة في قطاع غزة.
ومع ذلك، واجهت عملية تشكيل لجنة التكنوقراط الفلسطينية التي ستدير قطاع غزة رفضاً «إسرائيلياً» متكرراً، حيث كان بنيامين نتنياهو، رئيس حكومة دولة الاحتلال، يرفض الموافقة على شكل هذه اللجنة تحت حجج متعددة، ولكن الدافع الرئيس كان منع الانتقال إلى المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار، حيث إن الانتقال إلى المرحلة الثانية يزيد من فرص تثبيت وقف إطلاق النار ويقيد حرية «إسرائيل» في العمل العسكري والأمني داخل قطاع غزة.
هناك أسباب متداخلة أخرى كانت وراء رفض «إسرائيل» لحكومة تكنوقراط فلسطينية؛ أولها: حسابات نتنياهو في الائتلاف الحاكم؛ حيث إن شركاء نتنياهو في الائتلاف يعتقدون أن أي خروج من غزة أو اعتراف بأي جسم فلسطيني سياسي هزيمة حتى لو كان هذا الكيان مكوناً من شخصيات مستقلة.
وثانياً: تتعارض أيديولوجية نتنياهو مع فكرة أي كيان فلسطيني معترف به يخدم الشعب الفلسطيني، ومن ثم يرغب نتنياهو في أن يبقى واقع غزة مأساوياً دون أي حل تحت عملية إدارة الأزمة وليس حلها، وبالتالي عمل نتنياهو على تعطيل إنشاء أي جسم فلسطيني يمكن أن يتعامل معه العالم كشريك في غزة، ولكن يبدو أنه رضح في النهاية لضغط ترمب.
في المقابل، أبدت حركة «حماس» مرونة كبيرة في قبول أشكال متعددة من لجنة التكنوقراط، وكانت مرنة في قبول الكثير من أسماء المرشحين لعضويتها، بالرغم من تحفظها على بعض أسماء المرشحين (دار خلاف شديد حول اسم شخص على الأقل وما زالت هناك تكهنات حول رفض الفصائل له لأن عليه سوابق أمنية)، ولكن «حماس» والفصائل الفلسطينية كانت تدرك أن تشكيل هذه اللجنة وبدء عملها خطوة مهمة لتنفيذ المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار وتثبيته؛ وبالتالي تحسين الظروف الإنسانية في قطاع غزة والتمهيد لبدء عملية إعادة الإعمار.
خلافات على محاور المرحلة الثانية
أوضح ويتكوف أن المرحلة الثانية من وقف إطلاق النار تقوم على تأسيس إدارة فلسطينية انتقالية تكنوقراطية في غزة، تحت اسم «اللجنة الوطنية لإدارة غزة»، وتبدأ بتنفيذ عملية نزع السلاح الكامل، بالتوازي مع إطلاق مشاريع إعادة إعمار شاملة، وبالنظر لتصريحات ترمب، وويتكوف، يتضح أن ملف نزع السلاح سيكون الملف الأبرز في النقاش خلال الأسابيع القادمة، ولكن الكل يعلم أن عملية نزع السلاح بالقوة لن تكون ناجحة.
وبالنظر إلى ما هو مطروح، فإن هناك 4 محاور أساسية للمرحلة الثانية، وهي إدارة تكنوقراط لغزة، وقوة استقرار دولية، ونزع السلاح، وبدء إعادة الإعمار، بالمقابل يفترض أن يكون هناك انسحاب تدريجي لقوات جيش الاحتلال «الإسرائيلي» من قطاع غزة، ولكن «إسرائيل» تصر على بقاء منطقة عازلة شرق غزة، وعلى التحكم في معبر رفح الدولي، وهذه النقاط لا تواجه خلافات بين الطرف الفلسطيني و«الإسرائيلي» فحسب، بل توجد خلافات على تفسيرها بين الجانب الأمريكي والجانب «الإسرائيلي» عليها.
وهنا لا بد من توضيح أمر مهم يتعلق بخطة ترمب (20 بنداً) حول وقف إطلاق النار، وهو أن حركة «حماس» قدمت في أكتوبر الماضي موقفاً متوازناً استعد للتجاوب والتفاوض حول الخطة وليس موافقة مباشرة على كل ما جاء فيها، وعليه وافقت «حماس» في اتفاق وقف إطلاق النار الذي تم توقيعه في مصر في أكتوبر الماضي على وقف الأعمال القتالية وتبادل الأسرى، لكنها لم تقدم أي تعهد بنزع سلاحها، فيما تصر حكومة الاحتلال على أن المرحلة الثانية تشمل نزع السلاح كشرط لإتمام الانسحاب من قطاع غزة وبدء عملية إعادة الإعمار.
شروط نجاح المرحلة الثانية
لا تزال القضايا الأساسية محاطة بالغموض في المواقف، ولا يزال التعقيد يحكم المشهد، ففي حين تشترط «إسرائيل» البدء بنزع سلاح «حماس» ويشمل ذلك الأنفاق والصواريخ والبنى العسكرية، وفيما قال ترمب خلال الساعات الأخيرة: إن «حماس» ستتخلى عن سلاحها طائعة أو مكرهة، ترى عدة جهات أن تجميد استخدام سلاح المقاومة الفلسطينية وإخضاعه لآلية مراقبة قد يكون كافياً مع انسحاب تدريجي للجيش «الإسرائيلي» إلى خطوط متفق عليها، وبينما ترى «حماس» أن سلاحها سلاح مشروع تكفله القوانين الدولية لأي حركة مقاومة، فإن هناك حالة متزايدة بقيادة الولايات المتحدة و«إسرائيل» تتجاهل القانون الدولي وأحكامه.
لا تزال القضية الثانية المتعلقة بنشر قوة استقرار دولية موضع نقاش أيضاً، حيث كانت هناك خلافات على طبيعة الدول المشاركة فيها؛ حيث رفضت «إسرائيل» مشاركة تركيا فيها، على سبيل المثال، كما أن هناك خلافاً على طبيعة مهمتها؛ ففيما ترى «إسرائيل» أن مهمتها ضمان نزع السلاح ومنع إعادة التسلح ومرافقة القوات الشرطية المحلية والتدخل في الحالة الداخلية الفلسطينية، ترى الفصائل الفلسطينية أن القوة الدولية لا ينبغي أن تتدخل في الشأن الداخلي الفلسطيني، بل مهمتها البقاء على الحدود والحفاظ على وقف إطلاق النار.
متطلبات إعادة إعمار غزة
بالرغم من حديث ويتكوف عن أن المرحلة الثانية تشمل عملية إعادة الإعمار، فإن «إسرائيل» لا تزال تتحكم بكل المتطلبات اللازمة لإعمار غزة وعلى رأسها توفير البيئة الأمنية اللازمة لبدء إعادة الإعمار، وثانياً: تسهيل دخول المواد اللازمة لذلك، وثالثاً: توفير الموارد المالية لعملية إعادة الإعمار التي تزيد وفق التقديرات على 50 مليار دولار، لا تزال «إسرائيل» تحتل أكثر من 60% من قطاع غزة، ولا تزال تغلق معبر رفح وتتحكم بدخول المساعدات الإنسانية بشكل سيئ.
ومن دون توفر المتطلبات اللازمة لإعادة الإعمار، وبالنظر إلى المماطلة التي استخدمتها «إسرائيل»، يتوقع أن تضع «إسرائيل» عشرات العراقيل أمام خطط إعادة الإعمار على كافة المستويات، كما فعلت في عملية إعادة الرهائن التي استخدمتها حجة في المرحلة الأولى من وقف إطلاق النار.
أخيراً، يتوقع أن يحاول «مجلس السلام» و«إسرائيل» أن يحوّلا وظيفة لجنة التكنوقراط الفلسطينية من لجنة قادرة على تعافي قطاع غزة وإعادة الإعمار إلى لجنة ضعيفة في أحسن الأحول، وتعمل على تنفيذ متطلبات «إسرائيل» الأمنية، وهذا سيؤدي إلى فشل عمل اللجنة، ولعل هذا هدف بحد ذاته لحكومة نتنياهو الذي لا يخفى على أحد أنه يسعى لزيادة مدة وجوده في الحكم إلى أطول مدى ممكن حتى لو كان استمرار الحرب والمعاناة في غزة ثمناً لذلك.
محمود الرنتيسي
الشبكة الجزائرية نت البوابة الجزائرية للاعلام والثقافة