«التغطية مستمرة» كانت شعاره وكلمته في نهاية كل نشرة إخبارية! ورغم استهداف الاحتلال الغاشم للصحفيين وعائلاتهم، بقي إسماعيل الغول صامدًا أمام عدسات الكاميرات يمسك بميكروفونه يفضح جرائمهم ويكشف زيف إعلامهم!
تغطية تحت الموت
ولد إسماعيل الغول عام 1997م، وتخرج في الجامعة الإسلامية بغزة بكلية الصحافة والإعلام، وعمل لسنوات في الصحافة المكتوبة في جريدة «الرسالة»، ثم جريدة «فلسطين» المحليتين، وفي عدوان السابع من أكتوبر عمل مراسلًا في قناة «الجزيرة»، وكان من أبرز الصحفيين الذين غطوا العدوان الصهيوني إعلاميًا عبر الفيديوهات والبث المباشر والتقارير التلفزيونية والمداخلات الهاتفية من شمال غزة الذي بقي متشبثًا به حتى رحيله، وقبلها عمل مع عدد من شركات الإنتاج الإعلامية في غزة.
في مارس عام 2024م، اقتحمت قوات الاحتلال مستشفى الشفاء الطبي شمال غزة، واعتقلت عددًا من النازحين والصحفيين من بينهم الغول، كما صادروا معداته الصحفية، وتعرض لاعتداء الجنود ثم اقتادوه إلى مكان مجهول وفي اليوم التالي أطلقوا سراحه.
بقي الغول صامدًا شمال غزة ينقل للعالم أخبار مدينة غزة التي حوصرت بالقتل والجوع، وفي 31 يوليو 2024م اغتال المحتل الصهيوني القائد إسماعيل هنية، وبينما كان الغول يغطي حزن مخيم الشاطئ على رحيل قائدهم وابنهم، وفي نهاية عمله استقل سيارته ليعود إلى بيته، وقبل أن يتحرك أطلقوا عليه صاروخًا موجهًا لاغتياله فتت جسده وفصل رأسه عن جسده، رغم أنه كان يرتدي السترة الزرقاء والخوذة الصحفية التي من المفترض أن تكون حامية له دوليًا، ورحل الغول شهيدًا برفقة المصور الصحفي رامي الريفي.
كان الغول يغطي جوع الناس وحصارهم شمال القطاع ويظهر متعبًا على الكاميرا لأنه يعاني كغيره من الناس، فكان آخر كلماته: «لا أخجل أن أقف أمام الكاميرا وأقول أنا جائع، يسألني كثير من الأطفال عن شيءٍ ليأكلوه، وهم لا يعلمون أنني مثلهم لا أنام في الليل من الجوع».
وبالرغم من تفرق الغول عن عائلته لا سيما طفلته زينة التي كانت تبلغ عامًا فقط حين بدأ العدوان الصهيوني يوم السابع من أكتوبر، وفقدان أبيه المريض وأشقائه الذين رحلوا شهداء، فإنه سطر بطولات كبيرة ورسم أجمل صور التضحية لأجل كلمة الحق، ولأجل أن يدحض الروايات الصهيونية التي انتشرت في المجتمع الأوروبي.
حزن كبير سيطر على غزة حين رحل إسماعيل الغول، فقد كان الصحفي الإنسان كما أسموه، يواسي الأطفال الذين يفقدون آباءهم، ويطبطب على قلوب الثكالى اللواتي يفقدن أزواجهن، كما يساعد في إسعاف الجرحى ويعين الدفاع المدني حين تشتد الأزمة الإنسانية.
راثي الشهداء
«صوت الشهداء» أو راثيهم المنشد حمزة أبو قينص هو صوت آخر أراد الاحتلال إسكاته وتغييبه عن العالم الذي كان يتأثر بكلماته وأناشيده، حيث كان الصوت الحاضر في كل المناسبات الوطنية الفلسطينية.
على منصات الاحتفالات الوطنية، كان صوت أبو قينص يصدح يثبت المرابطين ويعزز من صمود أبناء شعبه على أرض غزة، وفي سنوات الحصار المدقع الذي أطبق على قطاع غزة لمدة 17 عامًا كان صوتهم ينقل للعالم معاناتهم.
كان أبو قينص في الصف الرابع الابتدائي بسنته العاشرة حين بدأ مسيرته الفنية الإنشادية، فقد كان يشارك في الإذاعة المدرسية، قبل أن يسجل أعماله في الأستديوهات الصوتية، وغلب على أناشيده الطابع الديني والاجتماعي، حتى أسموه «صوت غزة الثائر».
أعمال كثيرة اشتهر بها أبو قينص تعبر عن الحزن على كل شهيد فارق الحياة بعد أن روى أرض فلسطين بدمه، وأشهرها: «مع السلامة يا مسك فايح»، و«شيعوه»، و«عشق المخيم»، كما أنه حصل على عدد من الجوائز في المسابقات الفنية الدينية طوال مراحل الدراسة حتى مرحلة الجامعة.
وبسبب تدمير الاحتلال «الإسرائيلي» لحي اليرموك الذي صمد به أبو قينص ورفض الخروج منه إلى جنوب قطاع غزة، نزح إلى بيت آخر داخل شمال غزة، بينما نزحت عائلته إلى الجنوب هربًا من المجاعة والموت، إلا أنه لم يسلم أيضًا من كيد المحتل، فقد اغتاله بعد قصف المنزل الذي ينزح إليه، ليرحل شهيدًا ويلحق بأخيه ووالده اللذين استشهدا خلال العدوان الصهيوني، قبل أن يتحقق حلمه ويلتقي بعائلته التي نزحت جنوب غزة.
كان لوصيته وقع كبيرة في النفوس، كما لاقت تفاعلًا كبيرًا وسط المتابعين له عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أرسلها إلى صديقه المقرب الداعية محمود الحسنات يقول له فيها: «نلقاكم على خير ولا تنسونا من صالح الدعوات، ولو صار فيه حاجة بتحكي للجمهور عبر منصتك الشخصية يدعو ربنا يكرمني بالفردوس الأعلى من الجنة ويسامحونا».
ثمن الحقيقة
وخلف ميكروفون «إذاعة الأقصى» كان صوت المذيعة الغزية دعاء شرف يصدح يوم السابع من أكتوبر فرحًا بالعملية البطولية التي قام بها أبطال العبور المجيد، فقد كانت تطل على جمهورها عبر الإذاعة في برنامجها المسائي «مساء ملون»، تتحدث عن أهل غزة ومواهبهم ومعاناتهم وقصص بطولاتهم.
درست شرف على مقاعد الجامعة الإسلامية بغزة الصحافة والإعلام، وعملت مذيعة في «إذاعة الأقصى» عام 2012م، كما كانت ناشطة إعلامية ونشطت في العمل النقابي الإعلامي، حتى أصبحت عضوًا في مجلس إدارة كتلة الصحفي الفلسطيني، كما كانت تشارك في تقديم احتفالات التخرج في الجامعة الإسلامية.
وما زاد من شغفها الإعلامي أنها تزوجت من الصحفي المعروف بالصحافة الاستقصائية محمود هنية، الذي كان له باع طويل في الصحافة والإعلام، فقد جمعتهم المؤتمرات الصحفية وورش العمل واللقاءات والندوات الإعلامية.
في بداية العدوان، أصيب طفلهما الوحيد عبيدة بعد قصف مسجد اليرموك الملاصق لبيتهم باختناق من رماد الصواريخ، فاضطروا للنزوح إلى بيت عمها في برج التاج في منطقة اليرموك، خوفًا على طفلهما الوحيد الذي تراجعت صحته بعد إصابته.
وفي 23 أكتوبر وبعد أسبوعين من بداية العدوان الذي شن على قطاع غزة، نفدت علبة الحليب الخاصة بابنها عبيدة، فذهب والده يبحث له في الصيدليات والأسواق الفارغة والمراكز الصحية والعيادات الخاصة بالأطفال، وبعد ساعتين من البحث وجدها في إحدى الصيدليات فعاد فرحًا، وفي طريقه إلى البيت هاتف زوجته دعاء وهو يسابق الزمن والخطوات ليصل لابنه الجائع، وحين اقترب من البرج شعر كأن زلزالًا أصاب المنطقة فقد اهتزت بشكل لا يوصف.
حين وصل البرج وجده قد تحول إلى رماد وقد استشهد كل من فيه، بمن فيهم دعاء وطفله عبيدة، حيث كانت دعاء وطفلها في الطابق الثاني من البرج الذي يتكون من 7 طوابق حين أمطره الاحتلال ببراميل متفجرة، أودت بحياة أكثر من 300 نازح، وبعد 5 أيام أخرج الدفاع المدني دعاء وفي حضنها جثة عبيدة متفحمة من نار الصواريخ، لتدفع دعاء أيضًا ثمن الصوت العالي الذي كان ينقل الصورة للعالم، وتدفع أيضًا ثمن الحقيقة التي أوصلتها للعالم.
عبر سلسلة «أبطال من الطوفان» نبحر بكم في سير عظماء كانوا على طريق القدس والتحرير، يعلون كلمة الحق أمام محتل غاشم مارس العنجهية بكل ما أوتي من جبروت أمام شعب يدفع الأثمان غالية لأجل أرضه ووطنه وكرامته!
الشبكة الجزائرية نت البوابة الجزائرية للاعلام والثقافة