جميع الحقوق محفوطة لموقع الشبكة الجزائرية نت 2008 .. 2025
الرئيسية 8 الشبكة الاسلامية 8 احوال المسلمين 8 فقه المهجر في مواجهة تحديات الاغتراب

فقه المهجر في مواجهة تحديات الاغتراب

مع تزايد حالات الفقر، والفشل الاقتصادي للدول العربية والإسلامية، تزايدت بالمقابل عمليات الهجرة الشرعية وغير الشرعية إلى الدول الغربية، وبعض الدول الأخرى كالصين وروسيا واليابان وغيرها، وهو ما وضع الشباب العربي والمسلم في مواجهة نظم دينية وأخلاقية مغايرة تمامًا لتلك المنظومة الدينية والشرعية الإسلامية.

وأصبحت الجاليات الإسلامية في حيرة شديدة ما بين اتباع تلك النظم وتربية أبنائها وفقًا لها، وهو ما يعني انسلاخها تمامًا عن كل معتقداتها، ومحاولات التطبيق النصي لمعتقداتها، وهو ما يعرض أفرادها للطرد والملاحقة في تلك المجتمعات.

وأمام هذه الإشكالية، حاولت التجمعات الإسلامية في تلك الدول تشكيل ما يمكن تسميته بالبيئة الاجتماعية التي تحتضن تطبيقًا غير متكامل لمعتقداتهم.

ولأن الفقه الإسلامي لديه القدرة على التجدد والتطور على مر التاريخ، فقد ظهرت العديد من الكتابات والبحوث التي تشكل في مجملها ما يسمى بفقه المهجر لتطبيق مبدأ الضرورات حتى لا تتهم التجمعات العربية والإسلامية بالتطرف من ناحية، ولا تنسلخ عن دينها ومعتقداتها من ناحية أخرى.

ويطلق أحيانًا على فقه المهجر «فقه الأقليات»، و«فقه التعايش»، و«فقه المواطنة»، وكل منها يعكس رؤية مختلفة للتفاعل مع المجتمعات المضيفة.

إشكاليات وحلول

يواجه المسلمون في بلاد المهجر تحديات متعددة بسبب الاختلافات الثقافية والدينية والاجتماعية والقانونية بين مجتمعاتهم الأصلية والمجتمعات المضيفة.

أول هذه التحديات يتمثل في الاغتراب الثقافي، حيث يجد المسلم نفسه ممزقاً بين رغبته في الاندماج الإيجابي ضمن المجتمع الغربي، وحرصه على التمسك بهويته الإسلامية وتقاليده الثقافية، ويشتد هذا الصراع بين الأجيال؛ إذ يعاني الشباب المسلم من أزمات هوية نتيجة تأثرهم العميق بالثقافة الغربية؛ ما يدفعهم أحيانًا إلى الانسلاخ عن جذورهم.

وقد عمل فقه المهجر على تأصيل مفاهيم مثل المواطنة والتعايش في إطار منضبط يحمي الهوية الدينية، ويشجع على الإسهام الحضاري في المجتمعات الغربية دون ذوبان أو عزلة.

أما على الصعيد الديني، فتبرز تحديات الالتزام بالعبادات في بيئة قد لا تراعي الخصوصيات الدينية؛ فالمسلمون يعانون في أداء الصلوات ضمن أوقات العمل أو الدراسة، ولا سيما صلاة الجمعة التي قد تصطدم بأنظمة العمل، كما يواجهون مشقة كبيرة في الصيام، خصوصًا في الدول ذات النهار الطويل؛ ما يثير تساؤلات حول توقيت الإفطار الشرعي، بالإضافة إلى ذلك، تتعرض النساء المحجبات لمضايقات أو تضييقات قانونية في بعض الدول.

الأسر اللاجئة والمهاجرة في أوروبا بين الذوبان والاندماج | مجلة المجتمع الكويتية

وقد عالج الفقه هذه الإشكالات بإعمال قواعد التيسير، مثل الجمع بين الصلوات، والرخصة في الإفطار عند المشقة، والدعوة إلى الصبر والموازنة في مسألة الحجاب، مع السعي للتفاهم القانوني كلما أمكن.

وفي المجال الاجتماعي، تواجه الأسر المسلمة إشكالات عميقة، أبرزها الزواج بأجنبي، الذي يثير تساؤلات دينية وتربوية، لا سيما عندما يتعلق بزواج المسلمة من غير المسلم، وتأثيره على تماسك الأسرة، كما يشكل تربية الأبناء تحديًا كبيرًا، إذ تروج المدارس والثقافة العامة لأفكار تتعارض مع القيم الإسلامية خاصة مفاهيم الاختلاط الشامل بين الجنسين، وتبرز كذلك خلافات الحضانة والنفقة في حال الطلاق، حيث تختلف القوانين الغربية جذرياً عن أحكام الشريعة. 

وقد تناول فقه المهجر هذه القضايا بإصدار فتاوى تراعي السياق، وتوجيهات تساعد الأسر على الحفاظ على وحدتها وهويتها التربوية، مع اللجوء إلى الحلول التوافقية والقانونية الممكنة.

أما في الجانب القانوني، فيجد المسلم نفسه أمام منظومة قانونية قد تتعارض مع الشريعة في قضايا حساسة، فمثلاً، لا تعترف الدول الغربية بتعدد الزوجات، وقد تقيد الوصاية على الأطفال في حالات الطلاق، كما تُطبّق أنظمة مواريث مدنية لا تراعي التوزيع الشرعي، إضافة إلى هيمنة النظام المصرفي الربوي الذي يعقد المعاملات المالية للمسلمين.

وقد سعى الفقهاء لتقديم بدائل شرعية، مثل المصارف الإسلامية، أو حلول توافقية كالاتفاقات القانونية بين الورثة، بما يضمن الحقوق دون مخالفة للقانون أو الشريعة.

وتبقى قضية الاختلاط بين الجنسين من أبرز الإشكالات اليومية التي يواجهها المسلمون في الغرب، سواء في بيئات العمل أو الدراسة، فالفصل بين الجنسين غير معمول به في هذه المجتمعات، ما يضع المسلمين في مواقف حساسة.

وقد تعامل فقه المهجر مع هذه القضية عبر فتاوى توازن بين الضرورات الاجتماعية وضوابط الشريعة، من خلال الدعوة إلى الالتزام بالآداب الإسلامية، مع الانخراط الفاعل والمسؤول في الحياة العامة.

رواد فقه المهجر

برز عدد من العلماء والدعاة في مجال فقه المهجر، إذ يعد د. يوسف القرضاوي من أبرز من أسهموا في تأصيل هذا الفقه، حيث وضع أُسسه النظرية من خلال كتابه في فقه الأقليات المسلمة، الذي أصبح مرجعًا رئيسًا في هذا المجال، مستندًا إلى مبدأ التيسير والموازنة بين الالتزام الديني ومتطلبات الواقع الجديد.

وفي السياق ذاته، أسهم الشيخ عبدالله بن بية في تطوير هذا الفقه بمنهجية تجمع بين المقاصد الشرعية وفهم الواقع الغربي، من خلال مؤلفاته، مثل ضوابط الفتوى وفقه الأقليات، وكان له دور بارز داخل المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث.

أما د. طه جابر العلواني، فقد أضاف إلى هذا الحقل بُعدًا علميًا تأصيليًا، حيث قدم أبحاثًا مثل مدخل إلى أصول وفقه الأقليات، ناقش فيها المصطلحات والمفاهيم المركزية لفقه المهجر، مع تركيز خاص على الجوانب السياسية والاجتماعية لحياة الأقليات المسلمة، داعيًا إلى بناء اجتهادات تتجاوز الانفعال الظرفي إلى الرؤية الإستراتيجية.

وفي منحى لغوي وفكري، جاء طرح د. عبدالمجيد النجار الذي اقترح مصطلح «فقه المواطنة» بديلًا عن «فقه الأقليات»؛ إيمانًا منه بأن هذا التوصيف الجديد يعكس فلسفة الاندماج الإيجابي والحضور الفاعل للمسلمين في مجتمعاتهم الجديدة، دون المساس بهويتهم الدينية، وقد عرض رؤيته تلك في كتابه «فقه المواطنة»، داعيًا فيه إلى تعميق مفهوم الانتماء للوطن بالتوازي مع الولاء للعقيدة.

وتقاطع معه في هذا الطرح د. خالد محمد عبدالقادر، الذي رأى أن مصطلح «فقه التعايش» هو الأدق للتعبير عن مضمون هذا الفقه، معتبرًا أن «فقه الأقليات» يحمل إيحاءً بالعزلة والهامشية، وفي كتابه «من فقه الأقليات المسلمة»، بيّن الحاجة إلى فقه ينفتح على الآخر ويتفاعل معه، دون التخلي عن المبادئ الإسلامية.

واستكمالًا لهذا المسار، أسهم د. محمد المصلح في تأصيل فقه المهجر من خلال إشرافه الأكاديمي على برنامج «ماستر فقه المهجر» في جامعة محمد الأول بالمغرب، وقد أسهم عبر هذا البرنامج في تطوير مناهج دراسية تمزج بين الأصول الفقهية والواقع الغربي؛ ما أتاح تكوين جيل من الدعاة والباحثين القادرين على الاستجابة لتحديات المسلمين في المهجر، بعلم ورؤية واستبصار.

ويبقى أن التحديات التي تواجه المسلمين في بلاد المهجر سريعة ومتلاحقة مما يحتاج إلى حيوية مستمرة في فقه المهجر لمواكبة هذه التغيرات بما فيها مواجهة موجات الكراهية المطلقة للمسلمين هناك.×

 

خالد محمد علي

عن الشبكة نت

اضف رد

جميع الحقوق محفوطة لموقع الشبكة الجزائرية نت 2008 .. 2025