أخبار عاجلة
الرئيسية 08 شبكة العلوم 08 علوم وتكنلوجيا 08 هل تستحق صور تلسكوب “جيمس ويب” كل هذا الانبهار؟

هل تستحق صور تلسكوب “جيمس ويب” كل هذا الانبهار؟

لا بد أنك سمعت عن الأمر، فالجميع يتحدث عن تلك الصور البديعة التي أطلقها التلسكوب الجديد “جيمس ويب” الذي يقف الآن على مسافة 1.5 مليون كيلومتر من الأرض عند منطقة سحرية تسمى “نقطة لاجرانج الثانية”. وسائل التواصل الاجتماعي مشتعلة، والجميع منبهر بالصور الجديدة، لكن السؤال الأهم لا يتعلق بمدى روعة صور كهذه، ولكن بما تقدمه للعلماء من بيانات جديدة حول مكونات وظواهر الكون.

هل حقا يستحق الأمر أن تُدفع 10 مليارات دولار فقط مقابل حفنة من الصور الجيدة؟! بالطبع لا، ولفهم الفكرة دعنا نبدأ من مهام التلسكوب جيمس ويب المتوقعة خلال عدة سنوات من الآن وتسمى في مجملها “دورة العمل رقم واحد” (Cycle 1)، وهي مجموعة من 266 مهمة بحثية حددها باحثون في 41 دولة حول العالم، سيقضي التلسكوب 6000 ساعة عمل في إنجازها.

ثلث تلك المهام تقريبًا ستكون متعلقة بدراسة المجرات، و23% منها ستهتم بالكواكب التي تدور حول نجوم أخرى غير الشمس، يلي ذلك 12% خُصِّصت لدراسة الفيزياء الفلكية الخاصة بالنجوم، ثم 6% من المهام لدراسة مجموعتنا الشمسية.

حقل عميق جدًا

في أول إصداراته يبدو أن القائمين على جيمس ويب أرادوا أن يستعرضوا قدراتهم من خلال تلك الصورة التي أعلن عنها الرئيس الأمريكي جو بايدن قبل يومين (مساء 11 يوليو)، لما نعرفه الآن باسم “حقل ويب العميق الأول” (Webb’s First Deep Field)، تأمل هذه الصورة قليلا، فكل بقعة فيها، صغيرة كانت أم كبيرة، لامعة أم خافتة، هي مجرة كاملة، ربما في حجم مجرتنا التي تحتوي على قرابة 400 مليار نجم، أو ربما أكبر من ذلك أو أصغر.

تحتوي الصورة (1) على عدة آلاف من المجرات، في مركزها يمكن أن ترى عنقودا من المجرات يسمى “سماك” (SMACS J0723.3-7327)، يبتعد عن الأرض مسافة 4.6 مليارات سنة ضوئية، والتي تساوي 46 ألف مليار مليار كيلومتر، لكن تلك ليست أبعد مسافة رُصدت بواسطة الصورة، فعلى الأطراف تظهر بعض البقع التي تشير إلى مجرات أبعد من ذلك، على مسافة 13.2 مليار سنة ضوئية، وهي من أبعد ما توصلنا إليه من مجرات.

ولكي لا نجنح نحو المبالغة، دعنا نخبرك بوضوح أن التلسكوب السابق لجيمس ويب، المعروف باسم “مرصد هابل الفضائي”، التقط صورا شبيهة من قبل لما نعرفه باسم “حقل هابل العميق جدًا”، لكن هابل -الذي انطلق نحو الفضاء قبل أكثر من 30 سنة- التقط تلك الصور في عدة أسابيع، بينما التقطها التلسكوب جيمس ويب فقط في 12.5 ساعة فقط، ما يبين الفارق الكبير في القدرات بين جيمس ويب وأقرب منافسيه، وهذا مفهوم بالطبع؛ فمرآة التلسكوب جيمس ويب أكبر بعدة أضعاف من سابقه هابل، كما أنها أكثر دقة، وفي علم الفلك فإن التلسكوب صاحب المرآة الأكبر يمتلك قدرات أكبر بالتبعية.

لكن ذلك ليس هو الفارق الوحيد، فالتلسكوب جيمس ويب يعمل في نطاقات الأشعة تحت الحمراء وليس نطاق الضوء المرئي مثل سابقه، بمعنى أنه يرى ما لا تراه العين المجردة، فطيف الإشعاع المغناطيسي كبير جدًا، ولا تتمكن أعيننا البشرية إلا من التقاط نطاق الضوء المرئي فقط، أما باقي نطاقات الضوء فتحتاج إلى أدوات خاصة، هل شاهدت في الأفلام من قبل أحدهم يستخدم نظارة رؤية ليلية تعمل بالأشعة تحت الحمراء لرصد جنود أو أشخاص يتحركون في جنح الظلام؟

الأمر شبيه في حالة التلسكوب جيمس ويب، مع فارق أنه أدق وأكبر بفارق هائل، ما يُمكِّنه من النظر إلى مجرات بعيدة لم يكن مرصد آخر ليلتقط صورًا لها، لأن موجات الضوء الصادرة من تلك المجرات تتمدد بفعل تمدد الكون، وحينما تصل إلينا تكون قد دخلت في نطاق الأشعة تحت الحمراء، وهنا يجيء الدور الفعال لمرصد جيمس ويب؛ فهو الأكبر والأقوى على الإطلاق في هذا النطاق، وبذلك من المتوقع أن نرى أعمق صور الكون وأكثرها دقة بفضل هذا التلسكوب قريبًا، وهي صور لم نرها في حياتنا من قبل.

بقايا النجوم الميتة!

نقطة أخرى مهمة تتعلق بالتصوير في نطاق الأشعة تحت الحمراء، وهي القدرة على تخلل السحب الغازية الملقى بها في كل الفضاء بين النجمين، يشبه الأمر -لغرض التقريب- أن ينكسر ذراع أحدهم فيذهب إلى المستشفى ليطلب الطبيب صورة بالأشعة السينية، هذه الأشعة تخترق جلد اليد وتبين كسر العظام، “ويب” يفعل الأمر نفسه في نطاق الأشعة تحت الحمراء.

في الإعلان الأخير لجيمس ويب، تعمّد الباحثون وضع صورتين لسديم كوكبي يُدعى “سديم الحلقة الجنوبية” (Southern Ring Nebula)، الأولى في نطاق الضوء المرئي والثانية التي التقطها جيمس ويب في نطاق الأشعة تحت الحمراء. السدم الكوكبية هي ببساطة سحب ملونة من الغاز والغبار تمثل بقايا نجم عاش قبل ملايين السنوات، وقبل أن يموت قام بنفض أغلفته الخارجية في صورة رياح نجمية عاتية، تقبع نواة هذا النجم في منتصف تلك السحابة، في شكل قزم أبيض.

في الصورة القديمة، لم يكن من الممكن للعلماء اختراق جسم هذا السديم، لكن مع نطاقات الأشعة تحت الحمراء ودقة جيمس ويب، تمكنا الآن من الغوص داخله؛ فنلاحظ مثلًا أنه يحوي في مركزه نجمين وليس نجما واحدا فقط، ويمكن بسهولة أن يقوم العلماء بدراسة تأثير هذين النجمين المتجاورين على شكل السديم وتطوره.

في صورة أخرى استعرضها جيمس ويب، يظهر لنا جانب من سحابة سديمية أخرى تدعى “كارينا” على مسافة حوالي 9100 سنة ضوئية. في الصور القديمة، لم نتمكن أبدًا من سبر أغوار تلك السحب النجمية البديعة، لكن الآن أصبحنا نرى من خلالها، حيث كشف ويب عن حضانات نجمية ناشئة، مليئة بمئات النجوم الطِفلة، ومجرات تقع في الخلفية، كذلك تمكنا من الكشف عن نجوم لا تزال مجموعاتها الشمسية في طور التكوين، تشبه شمسنا قبل 4.5 مليارات سنة.

تشريح المجرات

لكن الأهم من ذلك كله هو قدرات التلسكوب جيمس ويب على تشريح الأجرام الكونية، وهو مستوى من الدقة لم نرَ له مثيلا من قبل، تأمل مثلا الصورة التي أصدرها التلسكوب مؤخرًا لمجموعة من خمس مجرات تسمى “خماسية ستيفان” (Stephan’s Quintet)، وفيها تظهر 5 مجرات، واحدة منها على مسافة 40 مليون سنة ضوئية، والبقية على مسافة 290 مليون سنة ضوئية.

بفضل القدرة الاختراقية للأشعة تحت الحمراء، والدقة العالية للغاية لأجهزة ويب، يتمكن العلماء من رصد تفاصيل لم يسبق لها مثيل في مجموعة المجرات هذه، حيث يمكن أن نلاحظ مجموعات متلألئة من ملايين النجوم الشابة، ومناطق ولادة النجوم الجديدة، وتأثر رباعي المجرات القريبة جذبويًا على بعضها البعض، والأكثر دراماتيكية هو أن ويب التقط موجات تصادمية ضخمة بسبب صدام المجرات، كذلك تمكَّن العلماء من ملاحظة وجود ثقب أسود عملاق بإحدى المجرات (تسمى NGC 7320 وتقع أعلى الصورة)، تبلغ كتلته 24 مليون ضعف كتلة الشمس، يسحب المواد بنشاط شديد ويصدر طاقة ضوئية تعادل 40 مليار ضعف طاقة الشمس.

درس ويب نواة هذه المجرة النشطة بتفصيل كبير باستخدام مطياف الأشعة تحت الحمراء القريبة المسمى “نير سبيك” (NIRSpec) بمساعدة كاميرا أخرى تعمل في نطاق الأشعة تحت الحمراء المتوسطة تسمى “ميري” (MIRI)، بالاتحاد مع وحدات إلكترونية جديدة تسمى (IFUs). مثل أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي، مكَّنت هذه الأدوات المتنوعة العلماء من تشريح المجرة تمامًا في أربعة مستويات في التركيب وثلاثة مستويات في سرعة الجزيئات، فكأنهم دخلوا إليها وتأملوا محيط ثقبها الأسود بأعينهم!

أصل الكون

يوفر هذا المستوى من الدقة لعلماء الفلك مقعدًا قريبا من الشاشة في سينما ضخمة لمشاهدة الاندماج والتفاعلات بين المجرات التي تعتبر بالغة الأهمية لدراسة تطور النجوم والمجرات، وهو قدر من البيانات لم يتمكنوا من الوصول إليه من قبل، سواء بهذه الدقة أو هذه السهولة، تذكر أننا نتحدث عن تلسكوب لم يكمل بعد أسبوعين من العمل.

كل هذا ولم نتحدث بعد عن إمكانات التلسكوب جيمس ويب في الكشف عن الكواكب التي تدور حول نجوم غير الشمس، فقد كشف باحثو ويب عن دراستهم لكوكب يسمى “واسب” (WASP-96 b) تبين أنه يمتلك غلافا جويا مشبعا بالبخار، مع أدلة على وجود سحب وضباب. قدَّمت صور ويب القياسات الأكثر تفصيلاً إلى الآن للغلاف الجوي لهذا الكوكب، كما تمكَّنت من رصد التغييرات الطفيفة في طبيعة الضوء الذي يمر من النجم خلاله، وصولا إلى مرآة التلسكوب.

الفكرة البسيطة إذن أن جيمس ويب هو بمثابة نافذة جديدة تمامًا على منجم بيانات هائل لا نعرف له قاعا إلى الآن، من المرجح أن تُمهِّد هذه البيانات لقفزة واسعة في علوم الفيزياء والفلك، ومن المتوقع أن تساعد العلماء على سبر أغوار هذا الكون وحل أعمق مشكلاته، وهي كثيرة في الحقيقة، يكفيك أن تعرف أن كل ما نعرفه عن هذا الكون، كل ما نتمكن من رصده ودراسته، يمثل فقط 4-5% من تركيبه.

أما الـ95% الأخرى فتمثل ما نسميه بالطاقة والمادة المُظلمتين، ونحن لا نعرف أي شيء عنهما بعد، بل لا نعرف بعد إن كانت هذه الكيانات موجودة فعلا أم أننا فقط نتخبط في أخطاء نظرياتنا عن الكون. نعم، لقد كنا بحاجة إلى أدوات بقوة جيمس ويب من أجل إجراء دراسات أعمق وأدق حول تطور المجرات وبنيتها، تساعدنا بالتبعية في التأكد من صحة هذه الفرضيات أو خطأها، وبالتالي الخروج بنظريات جديدة تعرفنا بأصل هذا الكون، وربما مستقبله البعيد.

______________

المصادر:

Webb Delivers Deepest Image of Universe Yet

Webb Captures Dying Star’s Final ‘Performance’ in Fine Detail

Webb Reveals Cosmic Cliffs, Glittering Landscape of Star Birth

Webb Sheds Light on Galaxy Evolution, Black Holes

Webb Reveals Steamy Atmosphere of Distant Planet in Exquisite Detail

 

 

————-

المصدر: الجزيرة.نت (بتصرف في العنوان).

عن الشبكة نت

%d مدونون معجبون بهذه: