أخبار عاجلة
الرئيسية 08 الشبكة الاسلامية 08 تاريخ حضارة 08 تاريخ الكشافة الإسلامية في الجزائر

تاريخ الكشافة الإسلامية في الجزائر

يجد القارئ في هذه السلسلة نصوصا قديمة متجددة حررها العلماء والأدباء الجزائريون حول قضايا عصرهم واهتماماتهم العلمية والأدبية والفكرية والسياسية الوطنية والعالمية. وحوت هذه النصوص المرجعية للفكر الجزائري المعاصر معينا غزيرا يغرف منه الباحثون المشتغلون على تاريخ الجزائر في القرن العشرين والدارسون لذخائر تراثنا. وألتزم هنا قدر الامكان بنشر الآثار المغمورة أو المتداولة بشكل محدود لننفض الغبار عنها ونحيي جهود أصحابها الذين لم ينصفهم دائما الباحثون لأسباب مختلفة. وأمهد في كل مرة بترجمة موجزة لصاحب النص، وبيان سياقه العام وعرض مختصر لمضمونه، وتعريف مقتضب للمصدر الذي اقتبست منه، وهي في غالب الأحيان عبارة عن جرائد ومجلات قديمة تعتبر في حد ذاتها وثائق مغمورة أو نادرة.

 

القائد الكشاف محمد الصالح رمضان في سطور
صاحب المقال هو الشيخ محمد الصالح رمضان المولود في بلدة القنطرة يوم 24 أكتوبر 1914، انتقل في عام 1934 إلى مدينة قسنطينة للاستزادة في التحصيل العلمي، فجالس مجلس الشيخ عبد الحميد بن باديس، ولا يغيب عن دروسه خلال ثلاث سنوات وكان يقيّد كلماته ويدوّن شروحه.
انخرط محمد الصالح في صفوف الكشافة الإسلامية، وأسس فوج الرجاء في مدينة قسنطينة.
وبالإضافة إلى إشرافه على الفوج باعتباره مرشده العام، كان أيضا مستشارا لفريق الجوالة عقبة. وكان النشاط يتضمن تنظيم رحلات في الطبيعة والتدريبات الرياضية والتسلية والترويح، وإقامة عروض مسرحية وغيرها من الأعمال التربوية والتكوينية. ولم يقتصر نشاطه على التدريب والتكوين الميداني إذ كتب مجموعة أناشيد وطنية ومسرحيات هادفة سرعان ما عممتها قيادة الكشافة على كل الأفواج عبر الوطن.
وشارك في عام 1955 في المهرجان الخامس للشباب والطلاب في فرصوفيا عاصمة بولونيا ممثلا للكشافة الإسلامية الجزائرية. وقد كتب عن هذه الرحلة فيما بعد، ونشرها في كتاب «سوانح وارتسامات عابر سبيل». وقد ساعده هذا النشاط والتدريب الميداني فيما بعد عندما التحق بالثورة الحريرية في الولاية الثانية ثم الولاية السادسة.
عمل الشيخ رمضان معلما في مدرسة التربية والتعليم بداية من عام 1937، وأوفدته جمعية العلماء في عام 1943 مع الشيخ نعيم النعيمي لفتح مدرسة حرة في غيليزان، فمكث فيها 3 سنوات مدرسا ومديرا للمدرسة. وفي سنة 1946 عينه رئيس الجمعية الشيخ محمد البشير الإبراهيمي مديرا لدار الحديث بتلمسان فبقي فيها 7 سنوات منقطعا للتدريس وتسير شؤونها الإدارية.
لقد كان أول من بادر إلى نشر آثار أستاذه الشيخ عبد الحميد بن باديس، وكان ذلك غداة الاستقلال، فنشرها في 5 كتب، وهي: العقائد الإسلامية (1963)، تفسير ابن باديس (1964)، من هدي النبوة (1966)، رجال السلف ونساؤه (1966)، القصص الهادف (1966).
دخل مبكرا إلى عالم الصحافة، فكتب في جريدة «البصائر» لسان حال جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، التي انخرط فيها وصار من أعمدتها الأدبية بما نشره من مسرحيات وقصص موجهة لتلاميذ وطلبة مدارس هذه الحركة الإصلاحية. وكتب أيضا في مجلة «الشهاب»، وكذلك في جريدة «الشعلة» التي كان يشرف عليها الأديب أحمد رضا حوحو.
ولم يتوقف الشيخ رمضان عن الكتابة سواء في فترة الاحتلال أو بعد الاستقلال، فالمجلات والصحف الجزائرية المختلفة تكتنز مقالاته الكثيرة التي تناول فيها قضايا الاجتماع والأدب والتاريخ والأعلام.
وفي مجال التأليف، كتب الشيخ محمد الصالح رمضان مجموعة من المؤلفات في مجالات متنوعة. ففي المسرح ألف «الخنساء»، و»الناشئة المهاجرة» و «المولد النبوي الشريف»، وفي القصة ألف «مغامرات كليب»، وفي الشعر أقرض «ألحان الفتوة»، وفي أدب الرحلة نشر «سوانح وارتسامات عابر سبيل»، و«الذكرى الأدبية لزيارة الفرقة القومية المصرية». وفي اللغة ألف «من فصيح العربية في العامية الجزائرية»، وفي التراجم نشر «شهيد الكلمة رضا حوحو»، وفي الجغرافيا «جغرافية الجزائر والعالم العربي»…الخ.
واشترك مع عدد من الأساتذة والباحثين في تأليف كتاب جماعي: النصوص الأدبية للمعاهد الإسلامية (توفيق شاهين)، إمام الجزائر عبد الحميد بن باديس (مع عبد القادر فضيل)، تحقيق ديوان الأمير عبد القادر (عبد القادر السائحي).
كما ساهم الشيخ محمد الصالح رمضان في النشاطات الثقافية والأدبية، وقدم محاضرات عديدة عبر القطر الجزائري، وشارك في ندوات ومؤتمرات دولية حول الفكر الإسلامي والتراث العربي. وهكذا بقي نشيطا عاملا في ميدان الثقافة والتاريخ إلى أن التحق بالرفيق الأعلى في يوم 27 أوت 2008 بعد عمر طويل عامر بالأعمال التربوية والفكرية والثقافية والنشاطات المدنية.
نشر الأستاذ محمد صالح رمضان هذا المقال في مجلة «الثقافة» في حلقتين، ظهرت الحلقة الأولى في العدد 69، الصادر في ماي 1982، وظهرت الحلقة الثانية في العدد 70، الصادر في جويلية 1982، وقد اكتفيت هنا باقتباس الجزء الأول من الحلقة الثانية التي تتحدث عن بدايات الكشافة الإسلامية في الجزائر، بينما كان الجزء الثاني مخصصا للحركة الكشفية بعد الحرب العالمية الثانية.
ومجلة «الثقافة» أصدرتها وزارة الثقافة في عهد وزيرها الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي. وظهر العدد الأول في يناير 1971، وتوقفت في عام 1987 بعد صدور العدد 100. ثم استأنفت سلسلتها الثانية في بداية التسعينيات وصدرت مجموعة أعداد بطريقة غير منتظمة وبشكل مختلف لتتوقف نهائيا بعد ذلك. تولى رئاسة تحريرها في سلسلتها الأولى صالح خرفي وحنفي بن عيسى ثم عثمان شبوب. وواصل الشيخ رمضان الحديث عن ذكرياته في رحاب الكشافة الاسلامية ورحلاته من أجل التعريف بها والقيام بنشاطاتها في القطر الجزائري وفي الخارج، فكتب في هذا السياق سلسلة من المقالات في جريدة «الشعب».
وتبرز المقالة التالية الصلة القوية التي كانت تربط حركة الكشافة الاسلامية بالحركة الوطنية وبالخصوص رجال الإصلاح وعلى رأسهم الشيخ عبد الحميد بن باديس الذي كان الكشافيون يحرصون دائما على تنظيم مؤتمراتهم واجتماعاتهم على رئاسته الشرفية، وكذلك عدد من العلماء الذين صاروا من قادة الحركة الكشفية مثل محمد الغسيري ومحمد صالح رمضان.
لقد بيّن الشيخ رمضان وهو واحد من رجال الاصلاح وقادة الكشافة الاسلامية في الجزائر أن هذه الحركة لم تكن جمعية تعنى فقط بترفيه الشباب بالرياضة والمسرح والأناشيد والجولات في الغابات والجبال والرحلات إلى الخارج لحضور المهرجانات الدولية، وإنما كانت تهتم أيضا بالتربية الوطنية وتنمية الوعي السياسي للشاب الجزائري ليبقى مرتبطا بوطنه ومقوماته الحضارية ويصبح فردا فعالا في خدمة مجتمعه بما يملك من قدرات ومواهب.
لقد كانت الكشافة مدرسة في الوطنية ومؤسسة لتكوين رجال الغد بكل ما تحمله هذه الكلمة من معان كالالتزام بالفضيلة والإقبال على التعلم والإقدام على العمل والتضحية في سبيل نشر القيم والارتقاء بالوطن. وقد حققت هذه الجمعية أهدافها التربوية والتكوينية بفضل كفاءة قادتها وإخلاصهم أمثال محمد بوراس، صادق الفول، عمر آغا، محمود بوزوزو، محمد الغسيري، محفوظ قداش، أبو عمران الشيخ وغيرهم، وكان من أبرز الذين تخرجوا من هذه الحركة رجال قادوا الثورة التحريرية أمثال محمد العربي بن مهيدي، حسين آيت أحمد، ديدوش مراد، زيغود يوسف وسويداني بوجمعة….الخ.
******
قبل الثلاثينيات كانت الكشافة في الجزائر فرنسية قلبا وقالبا، فقد انتشرت في الجزائر بعد الحرب العالمية الأولى بالخصوص على أيدي الفرنسيين الذين رأوا فيها أداة صالحة لتربية أبنائهم، وكانت لها جامعات واتحادات على نمط ما كان في فرنسا، تمثلها مجالس عليا في الجزائر كما في فرنسا.
وبدأ بعض الأطفال الجزائريين يلتحقون بها على استحياء، بنسب لا تكاد تظهر أمام إقبال الأطفال الفرنسيين، وكانت الحرب المذكورة قد هزت العالم هزا عنيفا دفع الشعوب المحكومة إلى التفكير الجدي في أمرها ومصيرها، وبدأت تتململ وتتحرك ..

الكشافة من سنة 1930 الى 1936
في سنة 1930 احتفل الفرنسيون في الجزائر احتفالات ضخمة صاخبة بمرور مائة عام على احتلالهم لهذه البلاد، وأسرفوا في ذلك وبالغوا في اظهار سيطرتهم وتمكنهم، زاعمين أن الجزائر قد استسلمت واستكانت، وأطلقوا شعارات كثيرة تعلن عن ذلك، منها: الجزائر فرنسية – الجزائر امتداد الأرض فرنسا – الجزائر جزء لا يتجزأ من فرنسا – الجزائر فرنسية إلى الأبد – الولايات الجزائرية ولایات فرنسية – إفريقيا اللاتينية – البحر الأبيض بحيرتنا – الخ …
فاستفزوا الشعور الوطني في الجزائريين الواعين وأيقظوا الغافلين منهم، فتكوّنت جمعيات وهيئات ومنظمات وأحزاب وصحف وأندية جزائرية وطنية، تحت أسماء مختلفة وفي میادین شتی، للإعراب عن وجودهم والحفاظ على كيانهم وبعث شخصيتهم، وبلغ الوعي القومي درجة لا يستهان بها، من ذلك مثلا تأسيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في الخامس مایو سنة 1931، وما نظمته من حملات التوجيه والتوعية والإرشاد التي قامت بها في المساجد حتى منعت من دخولها، فأسست المساجد الحرة، والنوادي الثقافية، والمدارس العربية الحرة للتربية والتعليم، وأسست المطابع والصحف والجمعيات الخيرية والموسيقية والرياضية، وبدأت الشخصية الجزائرية تتبلوّر للعموم في إطار: العروبة والإسلام والجزائر.
في هذا الجو المشحون بدأ الكشافون الجزائريون الذين تدربوا وتكوّنوا في المنظمات الكشفية الفرنسية ينسلخون منها ويكوّنون أفواجا کشفية وجمعيات ونوادي محلية لها هنا وهناك، وهي البذور الأولى لنشوء الحركة الكشفية الجزائرية، بعد الكشافة الفرنسية بالجزائر التي عاشت قبل ذلك نحوا من عشرين سنة، فرنسية المظهر والمخبر، والتسيير والقيادة .. الخ.
وكان من أوائل البراعم الربيعية للكشافة الجزائرية التي ما أزال أذكرها بأسمائها أفواج: (الرجاء) و(الصباح) و(الإقبال) بقسنطينة، (الفلاح) و (القطب) بالجزائر العاصمة ثم (الأمل) بالحراش، و (الخلود) بمليانة ، و(الهلال) بتيزي وزو، و(الحياة) بسطيف و(الرجاء) ببسكرة، وغير ذلك مما لا أتذكر أسماءها في عنابة وجيجل وتبسة وسوق أهراس، وبجاية وشرشال ووهران وتلمسان ومستغانم و.. و.. الخ
وفي سنة 1935 فكر أحد أوائل الكشافين ورواد هذه الحركة بالجزائر – وهو الشهيد محمد بوراس في انشاء جامعة للكشافة الإسلامية بالجزائر نظير جامعات الكشافة: الكاثوليكية والإسرائيلية واللائكية والبروتستانية، تجمع شتات الجمعيات والأفواج الكشفية المحلية، توحدها وتوجهها في اتجاه وطني واحد، فأعد قانونا أساسيا عرضه على السلطات الفرنسية الحاكمة للمصادقة عليه، ولكنها عرقلته وعطلته لما فيه من طابع مميز للشخصية الجزائرية، غير أن السيد بوراس لم ييأس وبقي يتابع الموضوع ويتحيّن له الفرص السانحة المواتية كلما تغيّر الحاكمون أو تغيّر نظام الحكم.

جامعة الكشافة الإسلامية الجزائرية
فلما تولت الحكم الواجهة الشعبية في فرنسا سنة 1936 – وقد كانت يسارية وأكثر ديمقراطية من الحكومات السابقة، وتنفس الناس معها الصعداء – أعاد الكرة السيد بوراس وقدم مشروعه مرة أخرى بعد تعديلات طفيفة أدخلها عليه، فحظي بالموافقة، وبدأ يسعى في ضم شمل الكشافين الجزائريين بجمع شتات الأفواج المحلية المتفرقة في الوطن، في جامعة واحدة تمثلهم، أطلق عليها اسم: جامعة الكشافة الإسلامية الجزائرية، ولكن هذه الحكومة الفرنسية الشعبية لم تعمر طويلا.
وفي سنة 1937 تأسست الجامعة الفتية الكشافة الإسلامية الجزائرية وبالرغم من الصعوبات والعراقيل التي اعترضتها من مثيلاتها الفرنسية المنافسة، ومن بعض الحكام الاستعماريين وأذنابهم من المواطنين المتواطئين معهم – شقت طريقها وسارت بخطى ثابتة نحو هدفها المنشود، وكان بناتها ومسيروها الأوائل السادة: الشهيد محمد بوراس والصادق الفول ومحمد فرج وبویربط والطاهر التجيني ومحمد القشعي وعمر الأغا والغوثي شريف ومحفوظ قداش وحسان بلکيرد ومختار بوعزير وابراهيم بلعموشي الخ …
وكان أول تجمع کشفي لها في سنة 1939 أیام 27 و 28 و 29 جويلية بالحراش في العاصمة، ضم نخبة الكشافين الجزائريين من أهم الأفواج الموجودة إذاك في الوطن، وختم أعماله باحتفال بهيج رائع تحت الرئاسة الشرفية للشيخ ابن باديس رئيس جمعية العلماء المسلمين، في قاعة الماجستيك (سنيما الأطلس اليوم ) إحدی القاعات الكبرى للسنيما بالعاصمة، وكان هذا التجمع أو المؤتمر الكشفي عقد تحت شعار قوميتنا المثلث الذي أطلقته الحركة الإصلاحية كرمز للوحدة وتوحيد للصف والهدف في سائر المنظمات التابعة لها أو المتجاوبة معها وهو: «الإسلام ديننا والعربية لغتنا والجزائر وطننا»، وكان هذا الشعار متجاوبا تماما مع شعور وأفكار الكشافين الحاضرين.
هكذا نشأت وترعرعت الكشافة الإسلامية الجزائرية من أول عهدها في أحضان الحركة الإصلاحية العامة التي تشرف عليها وتوجهها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. واسم الجامعة الكشفية دال على ذلك، كما نبت معظم أفواجها وأكثر جمعياتها في أوساط وبيئات اصلاحية إلى جنب النوادي والمدارس العربية الحرة، بل كان أغلب فتيان الحركة الكشفية وقادتها ومسيري جمعياتها من تلاميذ هذه المدارس والنوادي، أو من أعضاء جمعياتها المحلية، وكان مرشدوها جميعا من معلمي تلك المدارس، كما كان الأساتذة والمعلمون الجزائريون المتحررون في المدارس الفرنسية من أهم عناصرها وبناتها، وبعض السياسيين كذلك كانوا لا يبخلون عليها بالدعم والتأييد والمشاركة العملية.
وكان الكشافون يشاركون الشعب في احتفالاته وتجمعاته بلباسهم الرسمي لحفظ النظام ومد يد المساعدة أو تشنيف الأسماع بما يناسب من الأناشيد الوطنية العذبة، فكانوا يحضرون الحفلات الخيرية في الأعياد والمواسم الاسلامية، ويشاركون تلاميذ المدارس العربية الحرة في احتفالات آخر السنة الدراسية، ويقدمون العون والتأیید في كل تجمع للصالح العام.
وكان أقطاب الحركة الإصلاحية وأئمتها يشجعون الكشافين ويساعدونهم بالتأييد والمشاركة في تجمعاتهم العامة وفي مؤتمراتهم، کابن باديس في قسنطينة والعقبي في العاصمة والإبراهيمي في تلمسان.
فاكتسبت الحركة الكشفية بذلك مكانة شعبية مرموقة وشهرة عامة على مستوى الوطن، وأصبحت من الحركات الوطنية الواعية التي أحبها الشعب وتعلق بها، فتوجس المستعمرون منها خيفة وناصبوها العداء كما ناصبوا الحركات التحررية الأخرى سواء كانت سياسية أو ثقافية أو دينية أو اجتماعية.

عن الشبكة نت

%d مدونون معجبون بهذه: