أخبار عاجلة
الرئيسية 08 الشبكة الثقافية 08 ثقافة وفنون 08 الشخصيات الإسلامية في الدراما العربية: جدلية الفني والديني

الشخصيات الإسلامية في الدراما العربية: جدلية الفني والديني

تتحلل الشخوص التمثيلية في النص الدرامي لتتخذ عدة نقاط، لكل منها أهميته التي تستحوذ على نسبة معينة من الإشكاليات التي لا تخلو من اتجاهات تخصص لنقل المفاهيم تبعا لمقاييس الجذب الجماهيري وأهميته في خلق انفعالات حسية، يتعاطف معها الوجدان ضمن المخيلة الواقعية والدرامية، التي نراها بحواس مكتملة، فهل ذوبان الشخصيات الإسلامية في بعضها، تحقق للمعنى الدرامي، تكاملا ما بين النص والتمثيل والإخراج؟ أم أن لقداسة الشخصية الإسلامية حدودها الذاتية، التي لا يمكن أن تتخطى الحقيقة المتخيلة، إذ لا يمكن اللجوء إلى المبالغة في الصفات المثالية، أو التراخي عندها، أو حتى طمس المعاني النفسية التي تتحلى بها تلك الشخصيات، ولكن كيف يمكن احترام حواس المشاهد البصرية، لو قمنا بحجب الشخصية المقدسة عن المجموعة التي قامت بالأدوار كاملة؟ أين الرؤيا الحقيقية للواقع الدرامي المتخيل والمتجسد في عمل سينمائي أو تلفزيوني، أو حتى مسرحي يتخذ صفة محددة هي إسلامية بحتة؟

المجتمعات العربية والإسلام

تجسيد الأدوار الإسلامية في الدراما بطريقة منهجية تضع الموضوع في قالب متجمد، يرتبط ارتباطا شديدا بمفهوم السيرة المقيدة، التي تصعب معالجتها الدرامية. لأنها تحتاج إلى ليونة العرض البصري بمنطق درامي مؤثر في الفكر والحواس معا، وهذه تحتاج إلى دراسات وأبحاث ومتابعات من فريق عمل متكامل فكريا، قبل التكامل الفني كي يتم الإمساك بعنصري التأثر والتأثير، ولإضفاء روح الإنسان المؤمن قبل المسلم، بمعنى أن تكون الشخصية عامة، وليست خاصة وموجهة للشرائح الاجتماعية كافة، بغض النظر عن الانتماء الديني. إذ تخضع الشخصيات الإسلامية في أي دراما، إلى مبالغات تؤدي إلى عدم إقناع المشاهد. لأنه يجد نفسه أمام شخصية كاملة إنسانيا، والكمال بمواصفاته الفنية أو السينمائية، عبر الدراما والشخصية، هو لعبة بصرية تميل إلى قوة منطقية يحتاجها الإنسان ليحاكي ذاته بها قبل الآخرين. لأن بناء الشخصية هو تحليلي بالدرجة الأولى، ليتكون من عدة صفات تتم دراستها نفسيا ودراماتيكيا، لتتطابق تبعا لرؤية المجتمعات العربية الباحثة عن الفهم الحقيقي للإسلام، الذي بات يتعرض لهجمات تشويهية، المقصود منها خلق التنافر السلبي من المفاهيم الإسلامية بشكل عام.

التطابق التحليلي بين الشخصية والممثل

 صعوبة الشخصيات الإسلامية في الدراما، تكمن في الفنان نفسه، ومبدأ اختياره الأول للقيام بالدور الذي يتناسب بشكل عميق نفسيا وجسديا. إذ تبدو بعض الشخصيات بعيدة جدا عن الصفة العامة، لأننا رأيناهم سابقا في أدوار خلاعية، وهذا يسيء للمتخيل الوجداني عند المشاهد. إذ ستهتز الصورة الدرامية أمامه، مهما بلغت قوة النص الدرامي من متانة، أو مهما استطاع الممثل إحداث تأثيرات ذات أهمية في البنى النفسية. يقول الممثل وجدي العربي: «إنه اتجه للأعمال الدينية منذ فترة طويلة. ولم تكن القلوب وقتها صافية، فكنت أردد الجمل كما لو كانت قطعة محفوظات. وبعد أن هداني الله بدأت أتعامل مع هذه الأعمال بشكل يختلف عن مفهومي الأول. وأصبحت أتوقف كثيرا أمامها، ولم يكن هذا بإرادتي، ولكن بتحريك المشاعر في داخلي، وأصبحت أتساءل: أين نحن من هذه الشخصيات الإسلامية العظيمة؟ وأدركت أن الممثل سيسأل عن كل ما يفعله وعن موهبة التمثيل التي أنعم الله بها عليه وكيفية إقناعه للجمهور بأدواره المختلفة». بعض الأدوار التمثيلية ترجع إلى السيرة دون معالجتها بشكل حسي، لتتناسب مع الدراما وزمنية العصر التي نرى من خلالها الماضي الإسلامي، كدور الممثل سامر إسماعيل في مسلسل «عمر بن الخطاب» الذي لم يستطع تجنب الأخطاء التي وضعته بين السلبيات والإيجابيات بنسبة عالية، بينما عبدالله غيث، رحمه الله، في فيلم «الرسالة» و منى واصف تخطيا الذات ووضعانا أمام شخصية حمزة عم الرسول، وهند بشكل حسي كبير، فهذا الفيلم ما زلنا نستمتع عند رؤيته، كأننا نراه لأول مرة، رغم بساطة المشاهد وتعقيدها، لأن القدرة تكمن في الممثل الذي استطاع مع المخرج خلق صورة حسية متوازنة مع الحقيقة المتخيلة، وبإحساس تشعر به العين قبل الوجدان، وبمحاكاة تميل نحو الشخصية أكثر لأنها جريئة ومتمكنة في الأداء، بعد التطابق التحليلي بين الشخصية في النص الدرامي والممثل.

صعوبة الشخصيات الإسلامية في الدراما، تكمن في الفنان نفسه، ومبدأ اختياره الأول للقيام بالدور الذي يتناسب بشكل عميق نفسيا وجسديا. إذ تبدو بعض الشخصيات بعيدة جدا عن الصفة العامة، لأننا رأيناهم سابقا في أدوار خلاعية، وهذا يسيء للمتخيل الوجداني عند المشاهد.

الشخصية الإسلامية ونظرتها إلى الحياة

تعتمد الشخصية الإسلامية على البنية الدرامية الهادفة إلى تلاشي الأزمنة، حيث يتوحّد الزمن مع الممثل والمشاهد وبشكل دراماتولوجي يوحي بالسلوك الإيماني وقوة تأثيره في تطورات الشخصية الإسلامية الداخلية والخارجية، ونظرتها إلى الحياة، من خلال الفكر الديني الإسلامي البحت، بما يحفظ التوازن للشخصية، أي بين قدسيتها، وكينونتها البشرية، المنزهة عن الكمال، مع مراعاة حسن الأداء الصوتي والتعبير الجسدي، والإضاءة التي تضفي نزعة روحية تساعد في خلق تأثيرات حسية مع الموسيقى ونوعيتها، وحساسية الفكر الإسلامي للمفاهيم الفنية بمجملها الفني الديني والخلقي، ليفرض نفسه وعبر جدلية الدين والفن والرسالة الإسلامية، التي يجب إظهارها بجمالها النابع من جوهرها، وبأسلوب يرسم حضوره ضمن الأبعاد الدينية السياسية الاجتماعية الفنية والدرامية المبنية على متانة الفكرة ومعالجتها، دون تجاوز الخطوط الحمر، وبحداثة ذات تقنية سينمائية مفتوحة في المشاهد المستمدة من قصص القرأن، وأخبار السيرة مع البحث المتكامل ذي التطلعات المستقبلية إلى آنية المسلسل واحتفاظه بروعة العرض المتجدد دائما، كما في مسلسل «يوسف الصديق» الذي أبدع فيه المخرج والمؤلف والممثل والكادر الفني بأكمله، وضمن ميزانية إنتاجية هدفها فقط الدراما الإسلامية التي تعتمد على أسلوب حديث في اختيار الشخصية المنزهة عن رؤيتها في أفلام أخرى، لتبقى الشخصية الإسلامية المؤداة بموازاة الشخصية المتخيلة والحقيقية، أي تلك المذكورة في كتب الدين والسيرة.

الأبعاد الدينية والتاريخية

يمكن للدراما العربية وشخوصها الإسلامية أن تخترق بفضاءاتها الإبداعية الفكر التشويهي عن الاسلام، لتلعب دورها الحقيقي في فتح النوافذ. على القضايا التي تصعب معالجة إشكاليتها للتوصل إلى بناء الجسور بين الغرب والعرب، لتصحيح مسارات تفصح عنها بصريا وبأسلوب احترافي، وبمهنية هوليوودية، تجذب الفكر بصريا إليها، عبر وسائل الإقناع المنطقية المبنية نخبويا، لاستيعاب التنوعات المختلفة في البلدان، فالإنسان واحد في كل مكان، والدعوة إلى إبراز الشخصيات الإسلامية واجب، بل فرض على أمة عربية تقرأ، لأن الامتدادات الثقافية لا بد لها من الوقوف أمام الفكر الخاطئ عن الإسلام، وبذهنية عربية تتيح استقطاب الجمهور عبر الدراما ومسوغاتها النابضة بالفهم الحياتي، الذي يعالج قضية الإيمان قبل الدين، واتساع صدر الشخصية الإسلامية لتتلقى الاختلاف مع الآخر برحابة صدر، وبتسامح مدروس له عدة أوجه مختلفة مثل قضية الأذى الذي تعرض له يوسف الصديق من أخوته في المسلسل الإسلامي الذي رأيناه عبر شاشات التلفزيون، وقد نجح من منظور النص الدرامي المعالج والشخصية المدروسة من جوانبها المختلفة، التي منحت إيجابياتها إلى مشاهد استطاع قراءة الأبعاد التاريخية والدينية، وباستحسان فني، دون النظر إلى الانتماءات الفكرية المختلفة عند الجمهور. فهل نستطيع بناء شخصية إسلامية خاصة بالدراما العربية فقط لتحتفظ بنكهة العرض البصري وخاصيته؟

كاتبة من لبنان

 

 ضحى عبدالرؤوف المل

عن الشبكة نت

%d مدونون معجبون بهذه: