أخبار عاجلة
الرئيسية 08 الشبكة الاسلامية 08 شبكة المقالات 08 المسلمون بين فقه الاستضعاف وفقه الاستخلاف

المسلمون بين فقه الاستضعاف وفقه الاستخلاف

على إثر كل حادث أليم يقع لمسلم أو لمجموعة من المسلمين تختلف ردود الفعل، فمن الناس من لا يعير الخبر أدنى اهتمام، ومنهم من يبكي دماً أو دموعاً ويحرص على أن يوسع نطاق المعرفة بالحادث ما أمكنه ذلك، مذكراً لنا بأدب الاستصراخ عند العرب، ومنهم من يحمل على المسلمين ويذكرهم بتفرقهم وتخاذلهم ويذكرهم وقت أن كان الخليفة يخاطب السحابة ويخاطب أعداءه من علٍ فيقول للسحابة: “شرقي أو غربي فسيأتيني خراجك ولو بعد حين”، ويقول لأعدائه: “بسم الله الرحمن الرحيم، من هارون أمير المؤمنين إلى نقفور كلب الروم، قد قرأت كتابك يا ابن الكافرة، والجواب ما تراه دون أن تسمعه والسلام”.

جالت في نفسي خواطر بين من يرمون الكرة في ملعب الأمة الإسلامية ويهملون فرض العين، بين من يلقون التبعة على المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها دون أن يخاطبوا أصحاب المصيبة، قد تقول: لا تحملهم فوق طاقتهم يكفيهم ما يعانون فقد تكالبت عليهم القوى الداخلية والخارجية، أقول: إنهم نقطة البدء والانطلاق، وكل إصلاح لا يتحملون عبئه ولا يشاركون فيه لا يمكن أن يفيدهم بشيء.

هذا ذو القرنين يطلب منه أناس ضعفاء الحماية، فهم بلا حول ولا قوة، لكنه وهو الرجل الرباني البصير بطبائع البشر وما يعرض لها من أوهام تسيطر أكثر من الحقائق، وهو الخبير بما في النفوس من قوى تحتاج إلى من يكتشفها ويكشفها لأصحابها، يقول لهم: “أعينوني بقوة”، ترى لو كانوا يرون أن لهم قوة أكانوا يطلبون العون منه ويدفعون مقابل هذه الخدمة الجليلة؟ لو كانوا يبصرون ما بأيديهم من قوة هل كانوا ينتظرون حتى يأتي أعداؤهم فيهلكون الحرث والنسل ويأكلون الأخضر واليابس؟ إن القوة موجودة اكتشفها ذو القرنين وأراها لمن لا يبصرون ولا يشعرون: “آتوني زبر الحديد”، “انفخوا”، “آتوني أفرغ”.. هذا نصيبهم من العمل، أما نصيبه ساوى بين الصدفين وجعله ناراً وأفرغ عليه قطراً. 

إن الموارد الطبيعية موجودة زبر الحديد والقطر والوقود الذي يذاب به الحديد، والقطر والموارد البشرية موجودة كذلك، فهم الذين سيأتون بزبر الحديد هل يستخرجونه من المناجم كما يستخرجون القطر ويحملونه إلى موقع العمل؟ ومن يملكون القدرة على توجيه الهواء لإشعال هذه النار العظيمة؛ {قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا } [الكهف].

متى كان الاستضعاف قدراً لا مجال للفرار منه عندما ننظر إلى النبتة الصغيرة التي يمكن لطفل يحبو أن يدمرها لكنها بما أودع الله فيها من أسباب القوة وعوامل البقاء تقاوم وتكبر حتى تصير شجرة عملاقة ينتفع الناس بظلها وثمرها وتبقى لأجيال وأجيال حين يفنى جبابرة الرجال، وإذا كان هذا حال النبات فإن الله تعالى حدثنا عن قدرات الذباب: {وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ} [الحج: 73].

في بداية الدعوة وتكون الأمم يحدث ما يحدث للفرد حيث تدب فيه القوة شيئاً فشيئاً وحتى يتمكن من أسباب القوة وتتكامل قدراته تتلقى ضربات تنبهها إلى مواطن الخلل وتكون لها كالتحصينات التي يتلقاها الأطفال تقوي جهاز المناعة وتشد من أزره وتدربه على تحمل الضربات الصغيرة ليقوى فيما بعد على تحمل الموجات الكبيرة، وكما قيل: الضربة التي لا تقتل تقوي.

إن الله سبحانه وتعالى كتب الذلة والمسكنة على أعدائه، أما أولياؤه فكتب لهم العزة؛ {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ} [المنافقون: 8]، فيكف يمكن القول: إن المسلم مستهدف بسبب إسلامه؟! ولذلك يبقى عليه أن يكون في موضع الهدف لكل من هب ودب، هل هذه الحقيقة تحملنا على الاستكانة؟ لقد كان اليهود مستهدفين بسبب يهوديتهم، وكان الشيوعيون مستهدفين بسبب شيوعيتهم، بل ألف الهندوس جمعية تجمعهم من الشتات في القرن الماضي.

تغلب اليهود على عبارة ممنوع دخول اليهود والكلاب ليمسكوا بمفاتيح العديد من الأبواب يفتحونها لمن يشاؤون ويغلقونها في وجه من يشاؤون، واستطاع الهندوس أن يتسلموا مقاليد الأمور في بلادهم.

ومما يؤسف له أن يكرس لفقه الاستضعاف من خلال خطب وكتب ومقالات تستبكي المسلمين وتستدر دموعهم وربما تستنهضهم لدعم مادي أو معنوي، ثم يرتاح هؤلاء ويتصورون أنهم قاموا بحقوق إخوانهم فلا شيء كالصراخ والعويل يحرك المشاعر ويلهب العواطف ثم يخمد كل ذلك في انتظار حريق جديد يرسخ في ذهن الصغير والكبير قدر الاستضعاف والأذى لا لشيء إلا لأننا نقول ربنا الله، فإذا أردنا أن نقول ربنا الله فلنتحمل ما يصيبنا لأجل ذلك.

ما من شك أن إيقاظ الشعور العام بالأخوة الإسلامية أمر غاية في الأهمية، وأن الوصول إلى الحالة المثلى التي تحدث عنها النبي صلى الله عليه وسلم في قوله: “مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى” (صحيح مسلم)، هل تتوقف صورة التداعي عند تناقل صورة الواقع الأليم ثم التباكي والتصارخ وتبادل البكاء والصراخ، أم يمكن لهؤلاء الذين عافاهم الله أن يتداعوا إلى شيء يزيل الشكوى ويمنع تكرارها أو على الأقل يخفف من حدة آثارها، ثم إن قوله صلى الله عليه وسلم: “والسهر” ينبهنا إلى أن الواجب أكثر من تسجيل موقف أو سكب الدموع، بل السهر المقتضي للرعاية حتى يبرأ الجسد وتزول العلة ويعود قادراً على ممارسة دوره الطبيعي في الحياة منتجاً قادراً على حماية نفسه وحماية الآخرين.

إن الشعور بالوحدة قتّال وجالب لليأس والقنوط من رحمة الله عند أصحاب الهمم الضعيفة والعزائم الخوارة؛ لذا كانت المشاركة بين المسلمين في الشعور بآلام بعضهم بعضاً ودفع هذه الآلام حاجزاً بين الإنسان والعجز المفضي للموت.

ومن جانب آخر، إذا شعر المستضعف أنه وحيد يتلقى الضربات الموجعة هذه الوحدة تحفز أصحاب العزائم على التخطيط والعمل بناء على هذه الحقيقة، فإذا ما بنى الإنسان الساعي إلى العز والقوة حياته وتحركاته على ذلك أصبح رقماً صعباً يلفت الأنظار بالإعجاب أولاً وبالمعونة ثانياً، وتتوالى انتصاراته حتى يتحول إلى نموذج يحتذى به.

قديماً طلب الضعاف المهازيل من ذي القرنين الحماية، فإذا به يقول لهم: أعينوني بقوة؛ لكي تتم الحماية لا بد من مشاركة بالمعونة ممن يطلب الحماية، ولعله بالمشاركة تتطلع نفسه إلى العز ويسلك سبيل الأعزاء الذين يحمون أنفسهم ويقدمون المساعدة لغيرهم، وإن لم يشاركوا في هذه الحماية تبقى أيديهم هي السفلى يستجدون الحماية للبقاء على قيد الحياة مهما كلفهم ذلك من الذل.

ولو انتظر من بدأ طريق العز وحيداً من يبكي عليه أو يبكي معه لانتظر إلى أن تنتهي حياته لأن الناس لا يسمعون إلا صوت الأقوياء، ولا ينظرون بإعجاب إلى لمن يصعد سلم المجد.

ينسى هؤلاء الذين يرون الاستضعاف قدراً لا فكاك منه، أو لا تفهم من كلامهم وحديثهم سوى هذا، ينسى هؤلاء أو يغفلون عن سنن الله في الكون وآياته جل جلاله في الكتاب العزيز وكلماته صلى الله عليه وسلم هذه التوجيهات التي تأخذ بيد كل ضعيف ليقوى ويتقوى بربه جل جلاله، ولما أودع فيه سبحانه من خصائص حب الرفعة والعلو وما أعطاه من قدرة على التعامل مع الأقدار المؤلمة بل الانتفاع بها وتحويلها إلى صالحة، ومسألة المدافعة بين الخلق والفرار من قدر الله إلى قدر الله وتحويل حالة الفرد والأمة من درجة إلى درجة أعلى منها أمر حاضر في كل الثقافات والمجتمعات أياً كان حظها من الثقافة.

كم من أسرة كانت تعاني من الجهل والفقر والمرض، ثم برز أحد أبنائها وأدرك أن أحداً لم يطلع على القدر الأعلى ليخبره أن الجهل والفقر والمرض نصيبه كما كان نصيب آبائه وسيبقى إرثاً لذريته من بعده.

لم يخبره أحد بذلك أو أخبره لكنه أعرض عن هؤلاء الجهلاء المدعين، فانطلق يبذل الجهد ويواصل العمل ليبدل جهله إلى علم وفقره إلى غنى ومرضه إلى عافية، إن كان يؤمن بالله سيسعى للالتماس المعونة منه سبحانه، وإن لم يكن كذلك تحركت فطرته إلى العلا في شأن دنياها حتى ترسو على أحد موانئ العز والمجد، ولا يلبث أن ينتقل إلى ميناء آخر أعظم وأجل حتى يتسلم الراية من يضيف مجداً إلى الأمجاد السابقة ويستمتع بثمرات ما تركه سلفه له، أو يأخذ من تل الأمجاد حتى يختل ويفنى ويعود مرة ثانية إلى الجهل والفقر والمرض.

 

 

المسلمون بين فقه الاستضعاف وفقه الاستخلاف (2 - 2)

 

في المقال السابق، استعرضنا تفاوت ردود الفعل أمام استقبال الحوادث المأساوية التي تصيب المسلمين في الشرق والغرب، والخطاب الذي يتجاهل واجب المستضعفين وما كان بين ذي القرنين والمستضعفين المتضررين من إجرام يأجوج ومأجوج ومناقشة من يتصور أن الاستضعاف قدر لا انفكاك منه ومفهوم تداعي الأمة بالسهر والحمى إذا أصيب عضواً من أعضائها بما يؤذيه. 

وإذ نتأمل في المنهج النبوي في التعامل مع مرحلة الاستضعاف نجد عدة ملامح منها:

1-الدعاء: قال صلى الله عليه وسلم: “اللَّهُمَّ أَنْجِ المُسْتَضْعَفِينَ مِنَ المُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَر” َ[صحيح البخاري].

2-البشارة: قال صلى الله عليه وسلم: “إِنَّ اللَّهَ نَاصِرُكُمْ وَمُعْطِيكُمْ حَتَّى تَسِيرَ الظَّعِينَةُ فِيمَا بَيْنَ يَثْرِبَ وَالحِيرَةِ أَوْ أَكْثَرَ مَا يُخَافُ عَلَى مَطِيَّتِهَا السَّرَقُ” [سنن الترمذي].

3-البحث عن مخرج: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ (41) الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} [النحل: 41، 42]، قال صلى الله عليه وسلم: “لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَإِنَّ بِهَا مَلِكًا لَا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أَحَدٌ، وَهِيَ أَرْضُ صِدْقٍ، حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَكُمْ فَرَجًا” [سيرة ابن هشام].

4- البحث عن نصير: مَكَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يَتَّبِعُ النَّاس فِي مَنَازِلهمْ، عكاظ ومجنة، فِي المواسم، يَقُولُ: “مَنْ يُؤْوِينِي؟ مَنْ يَنْصُرُنِي؟ حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَة ربى وَله الْجنَّة” [السيرة النبوية لابن كثير].

5- تحقيق النموذج الرائع في الصبر والثبات مما يدعى الأعداء إلى إعادة النظر: عن أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ بِنْتِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَتْ: وَاَللَّهِ إنَّا لَنَتَرَحَّلُ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ، وَقَدْ ذَهَبَ عَامِرٌ فِي بعض حاجاتنا، إِذا أَقْبَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ حَتَّى وَقَفَ عَلَيَّ وَهُوَ عَلَى شِرْكِهِ -قَالَتْ: وَكُنَّا نَلْقَى مِنْهُ الْبَلَاءَ أَذًى لَنَا وَشِدَّةً عَلَيْنَا- قَالَتْ: فَقَالَ: إنَّهُ لَلِانْطِلَاقُ يَا أُمَّ عَبْدِ اللَّهِ. قَالَتْ: فَقُلْتُ: نَعَمْ وَاَللَّهِ، لَنَخْرُجَنَّ فِي أَرْضِ اللَّهِ، آذَيْتُمُونَا وَقَهَرْتُمُونَا، حَتَّى يَجْعَلَ اللَّهُ مَخْرَجًا، قَالَتْ: فَقَالَ: صَحِبَكُمْ اللَّهُ، وَرَأَيْتُ لَهُ رِقَّةً لَمْ أَكُنْ أَرَاهَا، ثُمَّ انْصَرَفَ وَقَدْ أَحْزَنَهُ -فِيمَا أَرَى- خُرُوجُنَا. [سيرة ابن هشام].

إننا نغفل عن قوة الحق التي يحملها في ذاته والتي تخيف كل صاحب باطل ففرعون مع ما كان يملك من قوة وبطش؛ {وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَنْ يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ} [غافر: 26] وقال الكفار عن القرآن: {لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ} [فصلت: 26].

ولما عاد الصديق في جوار ابن الدغنة وكان إذا قرأ القرآن اجتمع عليه النساء والصبيان والعبيد فطلب كفار قريش من ابن الدغنة أن يمنع الصديق من تلاوة القرآن لأنهم خافوا أن يصل صوت الحق لهؤلاء فينضمون إلى من أسلم. 

وبينما يكثر الحديث عن الاستضعاف ويجري ترسيخه عن جهل أو عن قصد يتوارى الحديث عن فقه الاستخلاف ومؤهلات الإنسان المستخلف ودوره في عبادة الله وعمارة الكون زعماً أن المرحلة التي تمر بها الأمة هي مرحلة الضعف والتشرذم، وأن الحديث عن الاستخلاف في مثل هذه الحالة ضرب من العبث أو الخيال، وإذا قلت متى يكون للشمعة قيمة في الظلمات الحالكة أو في ضوء الشمس الساطعة إذا طلع الصباح تطفئ كل القناديل.

وإذا سألت ومتى يأتي الحديث عن فقه الاستخلاف قيل لك: عندما تتوافر شروطه، وإذا سألت ومتى تتوافر شروطه؟ أجابوك بقائمة من الآيات والأحاديث وقواعد الاجتماع دون أن يبينوا لك كيف ننتفع بمثل هذه التوجيهات، ثم إن هذه الشروط إذا توافرت حدث الاستخلاف فما الداعي حينها للحديث عنه والواجب على مثقفي الأمة ودعاتها الحديث عن الواقع والحديث عن المستقبل معاً وإرشاد الأمة إلى ما ينبغي عليها لكي تتحرر من كل عبودية وترتقي إلى ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال والمواقف؟!

يظن البعض أن فكرة الاستخلاف تقوم على منازعة القوى القائمة وإعلان الحرب على الجميع.

إن الاستخلاف هو القيام بالمهمة التي كلف الله تعالى بها الإنسان؛ {إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً} [البقرة: 30] ليؤدي دوره في عبادة الله وعمارة الكون هذه العمارة تتم وفق منهج رباني أخلاقي يقوم على التراحم والإحسان والعدل والتعايش ويؤسس على الأخوة الإنسانية يحرم فيه العدوان والظلم وتسخر القوى فيه لخير الإنسانية يشعر فيه الضعفاء أن لهم من الحق والقوة ما يمكنهم من الحياة مرفوعي الرأس مكفولي الكرامة ينالون حقهم من الخير الذي أودعه الله في الكون دون مَنّ أو أذى ودون حاجة للتذلل أو الاحتيال.

إن القوة شعور والضعف كذلك شعور يغذيه إحساس عام وكلمات من هنا وهناك وتحقيق لنجاحات أو وقوع في إخفاقات وإلقاء للضوء على سقطات وإجراء الحوارات التي تكبر الصغير وتعظم الحقير والعكس.

ينبغي إدراك مكامن القوة ونقاط الضعف ولا يكون ذلك إلا بوجود إحساس عال وعقل ذكي ودراسة مستمرة لكل موقف وربط الأحداث بعضها ببعض وإدراك العدو من الصديق والمتفرج الذي ينتظر قطار الأقوياء ليلحق به أو على الأقل يصفق عند مروره والنظر بعين الاعتبار للظروف المحيطة التي تؤثر سلباً أو إيجاباً علينا.

إذا كنا نؤمن بأن القوة رزق من الله فالله تعالى يقول {فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ} [العنكبوت: 17]، إذا كان البعض يؤمن بأن الاستضعاف هو قدر المؤمنين بالله فإن الله تعالى يقول: {وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21].

إن الخروج من دائرة الاستضعاف إلى عز الاستخلاف أمر يتطلب التضحيات العظيمة ويحتاج إلى صبر جميل وحسن ظن بالله وفكر واع وإرادة صلبة وتعاون صادق وإخلاص للمبدأ ومحبة بين العاملين للحق.

إن تحقيق الاستخلاف هو المناسب لتكريم بني آدم وتفضيلهم على كثير من خلق الله وهو المؤهل للقيام بمهمة الرسالة الإسلامية {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107].

وعلى كل فرد مسلم أياً كان موقعه في السلم الاجتماعي دور على قدر ما مكنه الله وبقيام كل مسلم بما عليه وتكامل هذه الأدوار نصل إلى مستوى {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41].

وفي سبيل تحقيق الاستخلاف:

1- ينبغي أن يعلم الجميع أن واجب تحقيق الاستخلاف هو واجب كل مسلم حسب ما أعطاه الله من قدرات وإمكانات.

2- وأن على أهل الفكر والثقافة من كتَّاب وأدباء وإعلاميين تقديم فكرة ولو بسيطة يتداعى الجميع إلى تحقيقها كل حسب قدرته وما يحسنه من مهارات الحياة.

3- وأن كل خطوة مهما كانت صغيرة تقترب من الهدف ينبغي الثناء عليها ودعمها حتى تكبر.

4- إن غياب فكر الاستخلاف يؤثر في الفكر والحركة ويعوق عن كثير من العمل وهو حرمان من أداء الإنسان لرسالته وحرمان للإنسانية من جهود مبنية على الأخلاق تسعى لتحقيق الحب والخير والجمال والعدل والرحمة بين بني آدم.

5- لاشك أن للاستخلاف ثمناً باهظاً، لكنْ للاستضعاف أثمان يدفعها الفرد كما تدفعها الأمة، وإذا كان الإنسان سيدفع على كل حال فليكن الثمن المناسب للحياة المناسبة والحياة أخذاً وعطاء.

{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} [يوسف: 21].

 

محمد عبدالرحيم 

عن الشبكة نت

%d مدونون معجبون بهذه: