الرئيسية 08 الشبكة الاسلامية 08 شبكة المقالات 08 التكافل الاجتماعي الإسلامي.. أُسسه وآثاره

التكافل الاجتماعي الإسلامي.. أُسسه وآثاره

التكافل في الإسلام مظلة تأمينية تشمل المجتمع كله؛ حفاظًا على كرامة إنسان هذا المجتمع، أيًّا كان لونه أو دينه أو جنسه، وهو قرين التقوى؛ لأن فيه رضا الله، وقرين البر الذي فيه رضا الناس، ومن جمع بين رضا الله تعالى ورضا الناس فقد تمّت سعادته وعمّت نعمته، كما قال القرطبي في تفسير قول الله: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [المائدة: 2]؛ ما يعزّز السلم المجتمعي، وهو الركن الأبرز في أركان الأمن القومي في الدولة المعاصرة، الذي يضمن أمن الشعوب واستقرارها، ويحقق حضارتها ورُقيها.

صور التكافل الإسلامي

وتتعدد صور التكافل الإسلامي بتعدد دوائر الفرد في مجتمعه، يحكمها أسس عقدية وأوامر ربانية وليس اجتهادات بشرية أو عواطف عصبية؛ فالمسلمُ مُطالب أولًا برعاية أسرته؛ لحديث النبي ﷺ: «يدُ المعطي العليا، وابدأ بمن تعول: أمك وأباك، فأختك وأخاك، ثم أدناك أدناك» [النسائي]، وتمتد تلك الرعاية إلى ذوي الرحم؛ (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ..) [الإسراء: 26]، وإلى الجار؛ (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) [النساء: 36].. وتمتد تلك الرعاية أيضًا، ضمن مسئولية المجتمع، إلى الفقراء ومن لهم الحق في أموال الأغنياء، وإلى أهل الذمّة ممن يستحقون الرعاية، وإلى اليتامى والأرامل والمطلقات، واللقطاء، وذوي العاهات، والطاعنين، والمرضى والعجزة والمنكوبين.. وكلٌّ له تشريعٌ في كتاب الله أو في سنة نبيه ﷺ، أو فيما اتفق عليه جمهور العلماء.

أسس وأهداف

يهدف التكافل المجتمعي الإسلامي إلى تأمين حاجات الفقراء والمحتاجين بما يضمن لهم الحياة الإنسانية الكريمة وينزع من نفوسهم الإحساس بالدونية والضياع؛ وإلى تمكين المجتمع من الأخذ بأسباب القوة والاتحاد؛ وإلى حسن توظيف الأموال والخدمات ليصبحا وسيلة لرخاء العيش.. ولا يمكن تحقيق هذه الأهداف إلا باستناد هذا التكافل على أُسس سليمة معينها القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، وقد أجملها علماؤنا في ستة أُسس، هي:

  • التوازن بين حاجات الفرد وحاجات المجتمع: فهو نظام حافل بأرقى القيم الخلقية، وأسمى المبادئ الإنسانية، يعرف للفرد حقوقه وللمجتمع حقوقه، ولا يسمح لطرف منهما أن يحيف على الطرف الآخر.
  • تأمين العاطلين والعاجزين عن العمل: فالمجتمع المسلم متكفلٌ بأعضائه ممن عجزوا عن العمل؛ إذ هو كالجسد الواحد، إن اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى.
  • تطبيق النظام الإسلامي للملكية: فالنظام الذي جاء به الإسلام للملكية هو النظام الأمثل للبشرية؛ لقدرته على تحقيق مصالح الناس جميعًا، في كل زمان ومكان، أفرادًا وجماعات، حكامًا ومحكومين، في الدنيا والآخرة، فهو يشبع حاجاتهم في الدنيا على أسس من العدل والإنصاف، وفي الآخرة يحسن جزاءهم ويعظم ثوابهم لاستجابتهم لله تعالى.
  • تطبيق النظام الإسلامي للميراث: وهو نظام داعم للأسرة، التي هي الوحدة الأساس في بناء المجتمع ولبنته الأولى، فهو يحافظ على حقوق أفرادها، ويحدث التوازن العادل بينهم، بما يعين على الاستمرار في الحياة دون إحن أو ضغينة، وقد شُرِّف في شرعنا فسُمي «الفرائض»، وهي نصف العلم عند المسلمين؛ لعظم شأنه وفضله على المجتمع.
  • تطبيق نظام الزكاة والصدقات: وهو عين التكافل الذي يستهدفه الإسلام، وتلزم به الشريعة كل مسلم ومسلمة، فالزكاة هي الفريضة الوحيدة التي يُجبر عليها المتكاسل أو الممتنع عنها، ومقصودها قبل التكافل هو تطهير المال وتزكيته. وللصدقات من غير الزكاة أبواب في الفقه تشرح أنصبتها وأهدافها، وعلى رأسها تكافل الأمة وكفاية أغنيائها فقراءها.
  • توجيه إنفاق المال: إذ المسلم مستخلف في ماله، فهو لا ينفقه إلا في وجوه الخير، كما لا يجوز له الإسراف أو التبذير، أو الشح والبخل والتقتير، وهو مسئول عنه من أين اكتسبه وفيما أنفقه.. وقد وضع الشرع الأطر العامة لإنفاق المال، والتي تجلب للمسلمين النفع، وتدفع عنهم الأذى والضر.

آثار التكافل

للتكافل الإسلامي آثار طيبة، على الفرد والمجتمع ككل، في حال تطبيقه تطبيقًا عادلًا كما أمر الشرع، وتم الالتزام به منهجًا ونظامًا قائمًا على قيم الإسلام ومبادئه. فمن تلك الآثار:

  • آثارٌ نفسية: هو ذلك الرضا والاطمئنان القائم على العدل والمساواة، والثقة في أداء المجتمع، والمنافية للغضب والسخط، وما يستتبعهما من محن وأضرار، فالمجتمع المتكافل خال من التمرد والعداء، سليم من الأدواء النفسية والقلبية، حريص على البر والتعاون البنّاء.
  • آثار اجتماعية: ينزع التكافل من المجتمع شتى مظاهر الصراع الطبقي، أو الصدام بين فئاته، أو بين حكامه ومحكوميه؛ ما يوثّق روابطهم، ويدعم مسيرة الإصلاح والتنمية، ويخفف مظاهر التبرّم حال وقوع كوارث أو حروب أو أخطار من أي نوع، وهو ضمانة لتربية مواطن إيجابي بعيد عن السلبية والإمعية.
  • آثار سياسية: تتعلق بتوجيه الخطط والسياسات والبرامج ذات التأثير على العلاقات داخل المجتمع، ومنها تعميق مبدأ التعاون في مجالاته المتعددة، وتأكيد مبدأ العدل والإحسان، وتيسير عمل الدعاة إلى الله وحركتهم بالدين، وهو واجب شرعي يحافظ على لُحمة المجتمع، ويدعم التآزر والوفاق.
  • آثار اقتصادية: يقوم الاقتصاد الإسلامي في مجمله على أفكار ومبادئ وقيم تتحقق من خلالها العدالة الاجتماعية، والتي لا يمكن تطبيقها إلا من خلال صور التكافل الإسلامية المتنوعة، وتبدو تلك الآثار جلية كذلك في تأكيد حق كل فرد في المجتمع في بيت مال المسلمين، وتحقيق العدالة في توزيع الثروات الطبيعية، وحسن تقدير مطالب أصحاب الحاجات، والأهم: سيطرة القيم الإسلامية على المجتمع، وتقدير الناس لها، واعتزازهم بها.

About Author

%d مدونون معجبون بهذه: