تحدي أردوغان .. صحف

تحدي أردوغان .. صحف

معلم فيزياء (54 سنة) مثقف وله روح دعابة، متحدث بارع، شاعر ويهتم بالفن وليبرالي في مواقفه، متفرغ لتولي مهمة رئيس الدولة. هذا يمكن أن يكون إعلان دعاية مناسب في مواقع طلب الزواج على الانترنت. لو لولا أن موهرام اينجا كان متزوجا وأبا لاطفال. اينجا مرشح الحزب الجمهوري للرئاسة، نجح خلال فترة قصيرة في أن يتحول إلى أمل معارضي أردوغان وأن يخرب على الرئيس الحالي حساباته السياسية ويجعله يتصبب عرقا بفضل قدرته على ادارة حملة انتخابية كثيفة، نجح فيها في اجراء ثلاثة اجتماعات عامة يوميا.
في يوم الاحد عندما يتم فرز اصوات ملايين الناخبين، سيتبين إذا كان قد جرى في تركيا انقلاب سياسي أو أن السور الدفاعي لأردوغان فقط تصدع قليلا. استطلاعات الرأي العام تجد صعوبة في الاشارة إلى نتائج واضحة. صحيح أن أردوغان فاز تقريبا بـ 50 في المئة من الدعم مقابل 25 في المئة لاينجا و12 في المئة للمرشحة ميرال اكشنر، رئيسة حزب «الجيد» (يوجد ثلاثة مرشحين آخرين منهم صلاح الدين دمرتاش الكردي الذي يوجد في السجن بتهمة دعمه للإرهاب). ولكن هذه التوقعات أيضاً تضع علامات استفهام على قدرة أردوغان على اجتياز مستوى الـ 50 في المئة الذي سينقذه من الحاجة إلى التنافس في جولة أخرى أمام المرشح الذي سيحظى بأكثر الاصوات من بعده.
إذا لم ينجح في اجتياز خط المنتصف سيكون عليه التنافس ليس فقط ضد اينجا (على فرض أنه سيأتي بعده)، بل ضد كل الاحزاب المنافسة التي تعهدت بدعم المرشح الذي سيقف ضد أردوغان. هذه ستكون جبهة من نوع جديد فيها ستفحص قوة حزب العدالة والتنمية برئاسته والحزب الوطني القومي، الذي أسسته لغرض الانتخابات كتلة مشتركة أمام «كتلة الشعب» المعارضة. صحيح أنه حتى لو حسبنا نسبة النجاح المتوقعة لأحزاب المعارضة فإن أردوغان ما زال يحظى بتفوق في الانتخابات الرئاسية. ولكن اللغم المتفجر ينتظره في انتخابات البرلمان التي تجري للمرة الأولى في نفس الوقت.
نظريا، هذه الانتخابات يمكنها أن تعطي نتائج تكبل أيدي أردوغان. فمن أجل أن يستطيع تشكيل حكومة بدون ائتلاف يجب على حزبه الفوز بـ 301 مقعد على الاقل من أصل الـ 600 مقعد. ومن أجل أن يستطيع إجازة قوانين وسياسات كما يريد هو بحاجة على الأقل إلى 330 مقعدا، واذا كان يطمح إلى ادخال تعديلات على القانون بحيث تجعله رئيساً ذا صلاحيات غير مسبوقة فهو بحاجة إلى دعم ثلثي أعضاء البرلمان. من هنا يأتي الجهد الكبير الذي تبذله احزاب المعارضة من اجل تحقيق انتصار في البرلمان من خلال افتراض أنه في الانتخابات الرئاسية لن يكون لها ما يكفي من القوة لإبعاده. نتائج الانتخابات حسب رأيها ستكون هي التي تمنحها عدد مقاعد يجبر حزب العدالة والتنمية على تشكيل حكومة ائتلافية. وفي أحسن الحالات تفوز بثلثي المقاعد بحيث تستطيع إجراء تعديلات على الدستور تعيد مكانة الرئيس إلى المكانة التي كانت قبل إجراء إصلاحات أردوغان.
هذه النتيجة سبق وسجلت في انتخابات 2015 عندما فاز حزب العدالة والتنمية فقط بـ 40.9 في المئة من أصوات الناخبين، واضطر إلى التوجه إلى تشكيل ائتلاف مع خصومه. هذه المحاولة فشلت، لا سيما بسبب رفض أردوغان تقديم تنازلات. وفي نهاية المطاف أعلن عن انتخابات مبكرة حيث حظي فيها حزبه بـ 49.5 في المئة. وبفضل طريقة توزيع المقاعد حصل على غالبية هامة في البرلمان. يبدو أن أردوغان يمكنه ايضا العودة هذه المرة إلى نفس التمرين، واجراء انتخابات أخرى إذا حظيت احزاب المعارضة بغالبية في البرلمان. ولكن المخاطرة هذه المرة أكبر بكثير.

تدهور الليرة التركية

لقد دخلت لاعبة جديدة ومهددة إلى حلبة الصراع السياسي في هذه السنة، الليرة التركية التي تدهورت إلى حضيض غير مسبوق وخلقت مشكلة للعملة الصعبة في الدولة. مواطنون ومستثمرون أتراك يبذلون كل ما في استطاعتهم لاخراج توفيراتهم إلى خارج الدولة أو شراء الدولارات والذهب بدل الليرة التركية. بين أردوغان وبين البنك المركزي التركي يجري صراع شديد على نسبة الفائدة. في حين أن البنك يقوم برفعها لكبح التضخم الذي وصل إلى 10 في المئة، فإن أردوغان يطلب خفضها لتشجيع التطور والنمو. في حملته الانتخابية تعهد بالاشراف على السياسة النقدية، أي خفض نسبة الفائدة، وهي خطوة تخيف المستثمرين والمؤسسات الدولية المالية التي تخشى من تدهور الاقتصاد التركي. أردوغان الذي يدين بمعظم نجاحه على قدرته على انقاذ تركيا من الازمة الاقتصادية الشديدة التي سادت في سنوات الالفين وإلى السياسة التي أدت إلى نمو سنوي مثير للانطباع، وجد نفسه في هذه السنة عالقاً في وضع لم يعد فيه سحره الاقتصادي مثلما كان.

الحرب في سوريا

الحرب في سوريا والتدخل العسكري التركي في القتال في شمال الدولة ضد الأكراد تساعد أردوغان على تجنيد الحركات القومية إلى جانبه. ولكن بموازاة ذلك تزداد الأصوات التي تنتقد الحكمة من القتال في سوريا التي أنشأت صدعا في العلاقة بين واشنطن وأنقرة. 4 ملايين لاجيء سوري الذين يلقون عبئا اقتصاديا واجتماعيا ثقيلا على الدولة اصبحوا ورقة سياسية تستخدمها الأحزاب الوطنية التي تطالب بإعادتهم إلى سوريا.
على المستوى الداخلي قدر أردوغان بأن تقديم موعد الانتخابات سيضبط احزاب المعارضة وهي غير مستعدة وخاصة حزب «الجيد» الجديد، الذي أوشك على عدم قدرته على التنافس في الانتخابات لأنه لم يكن لديه عدد المقاعد المطلوب في البرلمان. هذا الحساب أحبط الحزب الجمهوري الذي انضم 15 من أعضائه لحزب «الجيد». هذا الحزب رغم أنه ليس حزباً كبيراً، إلا أن من شأنه أن يهدد الآن الحزب الوطني، حليف أردوغان الذي انشق عنه. الحزب الكردي الذي في الانتخابات السابقة اجتاز للمرة الاولى نسبة الحسم (10 في المئة)، قام أردوغان بتحطيمه عندما اعتقل معظم أعضاء قيادته منهم دمرداش، وبناء على ذلك قدر بأن الاقلية الكردية لن تشكل في هذه المرة أي تهديد.
ولكن اينجا، خصمه، قرر بحكمة أن يقرب اليه الأقلية الكردية عندما زار في السجن دمرداش وأطلق وعوداً بتنمية المنطقة الكردية. أردوغان رد بزيارات خاصة به وعدد من شعارات حزبه تم نشرها باللغة الكردية، لكن العداء تجاهه منقوش عميقا في الوعي الكردي على خلفية الحرب الفظيعة التي شنها ضدهم في جنوب شرق تركيا. توجد لحزب العدالة والتنمية حقا كتلة كردية داعمة التي تبلغ حسب التقدير 1.5 مليون ناخب. وللحزب الكردي تتوقع الاستطلاعات 9 في المئة، أقل 1 في المئة من نسبة الحسم، لكن معظم أصوات الاكراد ستتوزع بين المرشحين الاكراد المستقلين وبين الحزب الكردي. ومن هنا جاء احتمال أن تستطيع المعارضة الاستناد عليها في الانتخابات، سواء للرئاسة أو البرلمان، وأن تعزز قوة حزب العدالة والتنمية. إذا قرر أردوغان الانتقال إلى انتخابات مبكرة، يمكن أن يجد نفسه أمام بنية سياسية صلبة يمكنها أن تضعفه أكثر.
من أجل الاجابة على الاسئلة الثلاثة الاساسية: نجاح اردوغان في انتخابات الرئاسة، قوة حزبه في البرلمان وحجم المعارضة بعد الانتخابات ستكون أهمية كبيرة لاستمرار طريقة الحكم وعلى مكانة تركيا في الشرق الاوسط وفي العالم. في السنوات الخمس الاخيرة تحولت تركيا إلى دولة عظمى إقليمية وإلى عامل استراتيجي تؤثر سياسته على الحرب في سوريا وعلى قوة إيران الاقليمية وعلى حجم تدخل الولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي في الشرق الاوسط.
معارضة قوية يمكن ليس فقط أن تحدد صلاحيات أردوغان القانونية الواسعة، بل أيضاً أن تعيق قرارات تتعلق بالادارة اليومية للدولة، وحتى أن تمنع سن قوانين تهدف إلى المس بحقوق الانسان والمطالبة بتوقف تركيا عن تدخلها العسكري في سوريا. في المقابل، إذا نجح أردوغان في الحصول على الغالبية التي يطمح اليها، وأن يعزز مكانته كرئيس قوي غير خاضع لضغوط سياسية، سيبدد المخاوف من عدم الاستقرار السياسي، التي تخيف في المرحلة الحالية المستثمرين الاجانب.
هذه ستكون حقا بشرى صعبة للقطاعات الليبرالية في تركيا التي تكبدت ضربات قوية منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016. مراسلون وأكاديميون ورجال دولة متهمون بالخيانة يمكن أن يتلقوا ضربة أخرى من الاحكام والملاحقات. ورجال اعمال محسوبون على معارضي أردوغان لن يستطيعوا أن يكونوا متأكدين من أنه يمكنهم السيطرة عليهم بعد أن تم إغلاق نقابات كبيرة في السنتين الاخيرتين. في نفس الوقت بالنسبة للدول الغربية التي تفضل دائما عقد الصفقات مع قادة ذوي صلاحيات، لا سيما في الشرق الاوسط، فإن رئيساً تركياً قوياً هو بشرى ليست سيئة، رغم الخلافات الشديدة بين أردوغان ورؤساء الدول الأوروبية ورئيس الولايات المتحدة.

تسفي برئيل
هآرتس 22/8/2018

عن mohamed