المرأة المسلمة.. ورمضان

المرأة المسلمة.. ورمضان

الطفل لا يعيش حياة سوية إلا في وجود ذكر وأنثى كبيرين مختصين به وبرعايته ومتابعة نموه

لا ينبغي للمرأة أن تبدو ضعيفة فتضيع الصيام أو تضيع مسؤولياتها الأخرى

إذا انتفعت المرأة برمضان صياماً وصلاة وتلاوة قرآن وذكراً لله انتفع به البيت كله

لا ينبغي للرجل أن يظن أن الجنة خلقت له وحده أو أن الأعمال الصالحة واجبة عليه وحده

 

لا شك أن النهوض الإسلامي المأمول يقوم على إصلاح أمر النساء كما يقوم على إصلاح أمر الرجال؛ فلا أمل في نجاة مجتمع نصفه مهمل، مهما تكن قوة النصف الآخر، ولا أمل في نجاح مجتمع المرأة فيه جاهلة بليدة بلا وعي ولا فهم ولا علم ولا عمل، مهما يكن شأن رجاله وحالهم من العلم والعمل.

إن نقص حال المرأة هو نفسه نقص في حال الرجل؛ لأن المسؤوليات الاجتماعية متعانقة متداخلة، ومتكاملة كذلك، ولن يكون الرجل –ولو كان من كبار الدعاة أو العلماء- على ما يرام وامرأته أو أخته أو أمه أو ابنته تمثل عبئاً على مجتمعها بقلة وعيها، وضعف همتها، وعجزها عن القيام بواجبها تجاه الله وتجاه الجماعة الإنسانية التي تنتمي إليها.

ويقدم شهر رمضان مثالاً على التفاوت الهائل بين الرجال والنساء في مستوى الاستفادة من مواسم الخير ومناسبات الطاعة التي تزور المسلم من وقت إلى آخر، فما نعاينه في شهر رمضان عموماً هو حدوث طفرة عامة في العبادة والطاعة لدى نسبة كبيرة من الرجال، وأحسب أن لذلك أثره الممتد في حياة كثير منهم، في حين أن الطفرة النسائية في هذه الناحية تكون أضعف بكثير مما لدى الرجال.

ولكي نتحدث عن هذه المسألة بوضوح لا بد أن نخاطب بها المرأة أولاً، ثم نخاطب بها الرجل بعدها، فماذا يمكن أن نقول لها؟ وماذا يمكن أن نقول له في هذه القضية؟

أنتِ مسؤولة

مهما قارن الناس بين الرجل والمرأة، وتجادلوا في أمرهما، فهم متفقون على أنها مخلوق مسؤول، مثلما أنه مخلوق مسؤول، بل لا يخطئ من يجعل مسؤولية المرأة أدق وأخطر من مسؤولية الرجل.

وإن بدا لبعض الناظرين أن المرأة ما هي إلا مكمل للرجل؛ تسد الثغرات التي يتركها وراءه، وتجبر النقص الذي ينشغل عنه بمشاركاته في الحياة العامة، فإن ذلك لا ينفي أن ما تقوم به من تعبئة العقول الصغيرة بالمفاهيم الأولى، وملء النفوس الغضة بأسباب الطمأنينة، وإرشاد الصغار خلال ساعات طويلة من النهار والليل إلى ما يصح وما لا يصح بهدوء وسكينة، هذا كله أهم من جلب لقمة العيش الضرورية لبقاء الحياة الجسمية!

لقد أثبت علماء التربية أن الطفل لا يعيش حياة سوية إلا في وجود ذكر وأنثى كبيرين مختصين به وبرعايته ومتابعة نموه العقلي والنفسي والجسمي، وهما والداه اللذان يتحقق بهما التوازن في شخصية الطفل إذا توازن وتكامل دورهما تجاهه.

مهما يكن، فإن المرأة المسلمة يجب أن تعلم أنها راعية ومسؤولة، مثل زوجها وأبيها وابنها وأخيها وعمها وخالها -وإن اختلف نوع المسؤولية- وأن المسؤوليات لا تؤدَّى إلا بزاد يعين النفس على الصبر والثبات تجاه مغريات الركون والكسل، ويحبب إليها بذل الجهد في الطريق إلى الله تعالى.

ولا شك أن شهر رمضان هو من مواسم العون الإلهي الكبرى التي ينبغي أن نحشد لها قوانا، ونعد لها أنفسنا رجالاً ونساء، مستعينين بالله ثم بها على القيام بمسؤولياتنا، ورعاية واجباتنا.

إن الصوم في ذاته إنجاز يحققه الرجل كما تحققه المرأة، والشعور بهذا المعنى يقرب إلينا صورة المسؤولية المنوطة بنا؛ فالمرأة قادرة على تحمل مسؤولياتها قدرتَها على الصوم، وهي تحتاج لأجل هذا إلى الشعور بقداسة مسؤولياتها كما تشعر بقداسة الصيام، وأنه كما لا ينبغي أن تبدو ضعيفة فتضيع الصيام، كذلك لا ينبغي أن تبدو ضعيفة فتضيع مسؤولياتها الأخرى التي ناطها الله بها في الحياة.

إن شهر رمضان موسم مفعم بالخير؛ ولكثرة خيره فهو أهل لأن يمتد تأثيره إلى الأزمنة الأخرى بعده، وأن يتسرب مسه الطيب إلى طوايا النفوس، ويتعمق شخصية الصائم والصائمة حتى يُرَى ويُعايَن في سيرتهما ومعاملاتهما مع غيرهما.

إذا انتفعتِ انتفعوا

من طبيعة المرأة، إن لم يصبها غبش في فكرها، ولا بلادة في شعورها، أن تكون حَدِبة على أسرتها زوجاً وأولاداً، حريصة على خيرهم، وهي –مع هذا- وفي العادة أكثر إملاء للأوامر والتوجيهات على أطفالها.

ومن الوعي اللازم للمسلمة أن تدرك أن ذلك الحرص لا ينبغي أن يتركز على صحة الأولاد والزوج وحياتهم وهناءتهم الدنيوية فحسب، بل ينبغي أن تتجاوز ذلك إلى الحرص على نجاتهم في الآخرة كذلك، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلَائِكَةٌ غِلَاظٌ شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ {6}) (التحريم)، والخطاب في الآية عام في الرجال والنساء، فكما أن للرجال أهلين ينبغي أن يَقُوهم هذه النار المخيفة، فللنساء أهلون كذلك.

وشهر رمضان مناسبة جيدة لإبداء تأثير المرأة الرائع في أسرتها؛ خاصة أن البيوت في هذا الشهر تكون جاذبة أو مجمّعة لأبنائها أكثر من الشهور الأخرى، وذلك في أغلب الأقطار الإسلامية في العالم.

إن المرأة إذا انتفعت بشهر رمضان؛ صياماً حقيقياً وصلاة وقراءة للقرآن وذكراً لله تعالى وانشغالاً بالمهم من الأمور عن غير المهم منها، انتفع برمضان البيت كله، خاصة في زمننا الذي لا يتوقع فيه من المرأة إلا أن تنشغل بإعداد الطعام والشراب وبالنوم وطول الحديث في الهاتف النقال ومشاهدة التلفاز خلال ساعات طويلة من ليل الشهر المبارك ونهاره.

لقد بات غريباً في زماننا هذا أن تُرَى المرأة مقيمة لليل، أو قارئة للقرآن، أو مهتمة بالعلم الشرعي اهتماماً عميقاً، أو مبحرة بعمق مع شهر رمضان وخيره، فإذا بدا من أي مسلمة اهتمام بهذه الأمور، وإقبال وحرص عليها؛ كان ذلك إحياء لمعان في الحياة الإسلامية تكاد الأيام تميتها، وكل مسلمة تتبنى ذلك في بيئتها تكون كمن سن سُنة حسنة، له أجرها وأجر من عمل بها.

ذكّرها وأعِنها

وأما ما يخص الرجل من هذه السطور، فإنه لا ينبغي له أن يحسب أن الجنة خلقت له وحده، أو أن الحرص على الأعمال الصالحة واجب عليه وحده، وأن المرأة في هذه الحياة كم مهمل، وبضاعة كاسدة، لا تزيد على كونها خادمة لحاجات الرجل، وملبية لمطالبه وشهواته.

ومن هنا لزمه أن يفهم أولاً أن المرأة شريكة له في عبادة الله وطاعته، وأن النوع الإنساني بذكوره وإناثه معاً مشرَّف بأداء مهمة الاستخلاف في أرض الله تعالى، وإن من ألوان هذه الشركة أن يجتمع الرجل مع امرأته وبنته، وإن استطاع فأخته وأمه، على بعض الطاعات.

ولن يحقق الرجل هذا بطريق الأوامر الصارمة، ولا الإلزامات القاسية، بل بأن يكون هو قدوة لهم في الحرص على العمل الصالح أولاً، ثم بالتذكير اللطيف الرفيق لأهله والتشجيع لهم كلما وجد منهم توانياً أو كسلاً، وبالمعونة والمساعدة كلما ألفى منهم انشغالاً وانصرافاً.

ومن هنا لزمه كذلك أن يقتدي برسول الله صلى الله عليه وسلم في أن يحث أهل بيته على العمل الصالح دائماً، وفي شهر رمضان خاصة، وفي أفضل أيامه ولياليه على وجه أخص، ففي صحيح البخاري عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: “كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ، شَدَّ مِئْزَرَهُ، وَأَحْيَا لَيْلَهُ، وَأَيْقَظَ أَهْلَهُ”.

إلا أن المرأة لو تُركت لواجباتها المنزلية فستغرق فيها، وتنشغل بها عن واجبات أخرى يمكن أن تؤديها على صورة أرضى لله وأكمل، فتصبح صلاتها –إن تخلينا عنها– نقراً ينزع من الصلاة روحها، وصيامها مجرد تأخير لساعة الإفطار الصباحي إلى المساء، وحجها وعمرتها رحلة للخلاص من هموم الطبخ والغسل والكنس والتنظيف، ولن تجد مسلياً تستريح معه بعد هذا العناء اليومي إلا الهاتف النقال والتلفاز بما فيهما من إضاعة للعمر والمال!

لقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تكليف العبد ما لا يطيق، وإن فعلنا ألزمَنا بأن نعينه، ففي صحيح البخاري عن أبي ذر رضي الله عنه قال: إِنّي سَابَبْتُ رَجُلاً، فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: “أَعَيَّرْتَهُ بِأُمِّهِ؟! ثُمَّ قَالَ: إِنَّ إِخْوَانَكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَحْتَ أَيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أَخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ، فَلْيُطْعِمْهُ مِمَّا يَأْكُلُ، وَلْيُلْبِسْهُ مِمَّا يَلْبَسُ، وَلا تُكَلِّفُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ مَا يَغْلِبُهُمْ فَأَعِينُوهُمْ”.

والمرأة أكرم على زوجها –ولا شك– من العبد على سيده، ومن أجل هذا فإن إعانتها على شأن بيتها كرم كان لا يأنف منه نبينا صلى الله عليه وسلم نفسه، فلا يأنف منه أتباعه، مما يتيح لها مساحة أكثر لرعاية واجبها الديني، فتنتفع أسرتها بها نفعاً يمتد من الدار الأولى إلى الآخرة، ومن الدنيا إلى الدين.

*أستاذ العقيدة والفلسفة بالجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد

عن mohamed