أحدث الأخبار
عاجل

القسطنطينية وفتحها الثاني .. ماذا يعني عودة “آيا صوفيا” مسجداً؟

+ = -

 

– القرار أثار “هستيريا” من الفرح في تركيا وعواصم عربية وإسلامية عديدة باستثناء الأبواق العلمانية

– صدور الحكم القضائي بإعادة “آيا صوفيا” مسجداً إعلان عن استعادة تركيا الجديدة لموروثها الإسلامي واستكمال الفتح الثاني

– فتح المسجد ليس حدثاً عادياً بل يمكن اعتباره بمثابة استعادة للسيادة على أيديولوجية الدولة وانتهاء حقبة النفوذ الغربي

 

أخيراً وبعد 86 عاماً، وفي لحظات انتصار تاريخية للإسلام، كُسرت القيود التي كبل بها كمال أتاتورك مسجد “آيا صوفيا”، وفتحت أبوابه للعبادة بعد غلقه في وجه المصلين وتحويله إلى متحف، بعدما أصدر القضاء التركي حكماً يلغي قرار مجلس وزراء أتاتورك عام 1934 بتحويل المسجد إلى متحف، وأصدر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان قراراً بإعادة فتحه مسجداً أمام المصلين المسلمين.

القرار أثار “هستيريا” من الفرح في تركيا وعواصم عربية وإسلامية عديدة، باستثناء الأبواق العلمانية، وكما كان متوقعاً، جاءت ردود الفعل عليه من جانب الدول الأرثوذكسية (روسيا واليونان)، محتجة وغاضبة، وتتحدث عن مخاوف ملايين المسيحيين، وتزعم أن القرار يمثل “استفزازاً صريحاً” للعالم المتحضر.

الصرح الذي ظل مسجداً لمدة 481 عاماً منذ أن فتح السلطان محمد الفاتح مدينة القسطنطينية، وجرى تحويله إلى متحف عام 1934 في عهد مصطفى كمال أتاتورك، ثم عاد مسجداً في عهد أردوغان، سيؤدي لجدال صاخب بلا شك بين تيار الصحوة الإسلامية، وعودة تركيا لجذورها الإسلامية، وتحالف التيارات العلمانية والمعادية سياسياً لتركيا، والقوى الغربية صاحبة الإرث الصراعي القديم مع تركيا.

لذلك لم يكن مستغرباً أن تنطلق الانتقادات لعودة “آيا صوفيا” مسجداً من جانب أطراف عربية، بشكل أكبر من ردود الفعل المسيحية في العالم، واعتبار ما حدث محاولة من أردوغان لاستغلال الدين أو إثارة حروب دينية في المنطقة أو السعي لفعل ذلك لتحقيق مصالح انتخابية.

وهو ما دعا الأتراك لتذكير هؤلاء المنتقدين أن القرار لم يتخذه أردوغان، بل القضاء التركي المستقل، وسبق أن رفض هذا القضاء عودة المتحف مسجداً عام 2005 ولم يعترض أردوغان، وتذكيرهم أيضاً أن تركيا لم تغتصب المكان حين كان كنيسة وحولته عنوة إلى مسجد كما فعل اليونانيون مع مساجد المسلمين وفعلت إسبانيا في مساجد الأندلس وأشبيلية وغيرها.

فعقب فتح القسطنطينية عام 1453، على يد القائد محمد بن مراد المعروف باسم السلطان محمد الفاتح، اشترى السلطان الكنيسة، وكان حريصاً على إثبات هذا الشراء في وثيقة، قبل أن ينقل ملكيتها لإدارة وقف حولها إلى مسجد تقام فيه الصلاة لمدة 481 عاماً.

وهذا ما استندت إليه المحكمة التركية في قرارها، حيث أكدت أن المكان تعود ملكيته إلى السلطان محمد الفاتح، وصك الملكية لم يتم ذكر شيء فيه بخصوص متحف أو غيره، وأن وصيته هي عدم استخدام الجامع لغير أغراض العبادة، لهذا يجب ألا يكون سوى جامع.

ماذا يعني عودة “آيا صوفيا” مسجداً؟

صدور الحكم القضائي بإعادة “آيا صوفيا” مسجداً هو في حد ذاته إعلان عن استعادة تركيا الجديدة لموروثها الإسلامي واستكمال الفتح الثاني بعد قرن من هزيمتها في الحرب العالمية الأولى وإلغاء الخلافة الإسلامية وفرض العلمانية وإغلاق جامع “آيا صوفيا” رمز الفتح الأول.

أيضاً لا شك أن عودة “آيا صوفيا” مسجداً بعد 86 عاماً من تحويله متحفاً دليل جديد على أن عملية سلخ الشعب التركي من الإسلام، التي راهن عليها الغرب، قد فشلت فشلاً ذريعاً، وأن الإسلام سيظل مصدر العزة والدرع الحصينة للمسلمين من كل مساعي التبعية والتغريب والتذويب.

ففتح المسجد ليس حدثاً عادياً، بل يمكن اعتباره بمثابة استعادة للسيادة على أيديولوجية الدولة وانتهاء حقبة النفوذ الغربي وترسباتها التي تشكلت بعد الحرب العالمية الأولى في السياسة التركية.

أمر آخر يحتاج إلى إيضاح بعدما احتجت كنائس أرثوذكسية ودول مثل أمريكا وفرنسا واليونان على القرار القضائي التركي، وقالوا: إن المسجد كان في الأصل كنيسة، ولا يجوز فتحه كمسجد، ويجب أن يبقى متحفاً، وهو: لماذا لا يعيدون مساجد المسلمين التي تحولت إلى كنائس في إسبانيا واليونان لأصلها كما يطالبون بشأن “آيا صوفيا”؟

بعبارة أخرى، هل طالبت الخارجية الأمريكية أو وافقت هذه الكنائس الغربية على السماح للمسلمين بالصلاة في مسجد قرطبة (الذي هو الآن كنيسة كاثوليكية) كما يطالب بذلك المجلس الإسلامي الإسباني منذ عقود؟! أو أعادت مساجد اليونان التي تحولت لمتاحف وسينمات لسابق عهدها، أم أنهم يتذكرون التسامح الديني والتعايش الإنساني فقط في حالة “آيا صوفيا”؟!

وهو ما ينطبق على منظمة “اليونسكو” أيضاً التي تتباكى على تحويل “آيا صوفيا” لمسجد بدعوى أنه مسجل كمتحف لدى آثار “اليونسكو”، فقد سبق للجنة خبراء تضم منظمة “اليونسكو” تأكيد أن مسجد قرطبة التاريخي ليس ملكاً للكنيسة الكاثوليكية، ولم يكن قط كذلك، وذلك رداً على طلب المجلس الإسلامي الإسباني، ولكن لا “اليونسكو” ولا إسبانيا أعادتا المساجد لسيرتها الأولى، وترفض إسبانيا إعادة المسجد الذي تحول لكنيسة كمسجد كما يطالبون تركيا بذلك فيما يخص “آيا صوفيا”.

عنوان لمعركة حضارية

بنيت كاتدرائية “آيا صوفيا” في القرن السادس الميلادي عند مدخل مضيق البوسفور في إسطنبول، وكانت محطةً لتتويج الأباطرة البيزنطيين قبل تحويلها إلى مسجد في القرن الخامس عشر بعدما فتح العثمانيون عام 1453م المدينة التي كانت تُعرف بالقسطنطينية.

وكانت كاتدرائية “آيا صوفيا” مركزاً للمسيحية الأرثوذكسية حتى عام 1453م، عندما فتح الأتراك العثمانيون المدينة تحت حكم السلطان محمد الثاني، المعروف باسم الفاتح، وبعد 916 عامًا من الخدمة ككنيسة، تحولت إلى مسجد جامع يرمز للنصر والفتح، بعدما اشتراها الفاتح من الرهبان بوثائق موجودة.

ورغم هذا، حافظ العثمانيون على فسيفساء الكنيسة المميز، ولم يغيروا تصميماتها واكتفوا بتغطية الرسوم والأيقونات المسيحية بالجبس، لكنها ظهرت من جديد بعد ترميم الكنيسة في القرن العشرين، وتحويل المكان لمتحف.

ويعد قبر سليم الثاني أول قبر سلطاني في “آيا صوفيا” (تضم كذلك 43 قبرًا لسلاطين وزوجاتهم وأمراء)، وفي عام 1739، أضيفت مدرسة ومكتبة ومطبخ إلى المسجد، وبعد إغلاقه عامين (1847-1849)، افتُتح “آيا صوفيا” بوصفه مسجدًا للمرة الأخيرة في عام 1849.

وبحلول عام 1934، تغيّر دور “آيا صوفيا” مرة أخرى بعد 12 عامًا من تأسيس الجمهورية التركية، إذ وقّع مصطفى كمال أتاتورك قرارًا حوّل بموجبه “آيا صوفيا” إلى متحف.

“آيا صوفيا” كنيسة

ظلّ مبنى “آيا صوفيا” كنيسة على مدار 1093 عاماً منذ عام بنائها الأول 360م حتى فتح المسلمون القسطنطينية، وحول السلطان محمد الفاتح المبنى إلى مسجد عام 1453م، ويؤرخ البعض لتاريخها المسيحي منذ افتتاح المبنى الحالي الأخير (بعد تعرض القديم للهدم والحرق مرتين) عام 537م، ولهذا يعتبر أن تاريخ بقاؤها مسيحية هو 916 عامًا.

فقد تعرض البناء للحرق والهدم مرتين وأعيد بناؤه مرة أخرى، ففي عام 404م احترق خلال إحدى حركات التمرد، ولم يبقَ منه شيء، وأعاد الإمبراطور تيودوروس الثاني بناءه مرة أخرى عام 415م، والمرة الثانية احترق تماماً إثر ما يسمى “ثورة نيكا” عام 532م، وبعدها أيضاً قرر الإمبراطور جوستنيان إعادة تشييد المبني ككنيسة عام 537م.

وقيل: إن الإمبراطور استدعى هذه المرة أشهر معماريي العصر لبنائه واستخدم عشرة آلاف عامل، وأنفق عليه 320 ألف رطل من الذهب (ما يعادل 134 مليون دولار أمريكي)، وهو كل ما كان في خزانة الدولة، واستغرق البناء 5 سنوات متتالية.

وظلت هذه الكنيسة تقوم بمهام “الكنيسة الشرقية” في العالم القديم، وترعى المذهب الأرثوذكسي، ومسيحيي الشرق ومناطق شمال شرق أوروبا وهضبة البلقان، إلى أن تحولت إلى مسجد بعد فتح القسطنطينية عام 1435.

“آيا صوفيا” مسجداً

ظل “آيا صوفيا” مسجدًا لمدة 481 عاماً، منذ تحويل السلطان محمد الفاتح له لمسجد عام 1453م حتى سقوط دولة الخلافة العثمانية وتحويل أتاتورك البناء إلى متحف وحتى منع أتاتورك الصلاة فيه عام 1935.

ففي أعقاب فتح القسطنطينية، عام857هـ/ 1453م، أمر السلطان محمد الفاتح بتحويل الكنيسة إلى مسجد خلال ثلاثة أيام، بعد أداء أول صلاة له فيه وهي ركعتين شكراً لله.

ويقول مؤرخون: إن عدم توفر مسجد جامع كبير في ظل الأحوال الجوية الباردة والثلوج كان دافعاً سريعاً للسلطان لتحويل الكنيسة إلى مسجد، خصوصاً أنها كانت مقراً للقيادة التي تحكم القسطنطينية قبل سقوطها.

وأدت هذه الظروف الجوية لإصدار فتوى من علماء الإفتاء في الدولة العثمانية تجيز تحويل الكنيسة لمسجد والاستفادة منها بدلًا من تركها على حالها المهجور بعد انتصار المسلمين وهزيمة الدولة القسطنطينية.

وأعقب هذه الفتوى أمر السلطان الفاتح بإزالة الصليب من أعلى القبة، ومن الأماكن البارزة، وأضيف للمبنى مآذن من الخارج، ولكن تركت الزخارف والنقوش المسيحية على الجدران والسقف دون تغيير حتى يومنا هذا، لكن الأتراك وضعوا غطاءات فوق هذه الصور دون إزالتها، وكُشف عنها بعد ذلك عندما أصبحت متحفًا.

وقد وُضِعَت لوحات قرآنية، مع لوحات كتابية دائرية ضخمة كُتِب عليها: “الله، محمد، أبو بكر، عمر، عثمان، علي” على جدران المسجد، وهي للنبي صلي الله عليه وسلم، والخلفاء الأربعة الراشدين.

وتوجد داخله لوحة كُتِب عليها محمد صلى الله عليه وسلم، بجانب رسم مسيحي للسيدة مريم العذراء.

“آيا صوفيا” متحفاً

عام 1935، أمر مصطفى كمال أتاتورك مؤسس تركيا العلمانية، في أعقاب انهيار دولة الخلافة الإسلامية عقب الحرب العالمية الأولى بتحويل مسجد “آيا صوفيا” إلى متحف يضم المئات من الكنوز الإسلامية والمسيحية، وأصدر قانونًا يمنع إقامة الشعائر الدينية فيه بشكل رسمي.

وظل المسجد ممنوعاً فيه الصلاة، حتى صدور حكم المحكمة التركية يوم 10 يوليو 2020، بإعادته كمسجد للصلاة في تركيا ذات الأغلبية السكانية المسلمة، ليصبح دخول “آيا صوفيا” الآن مجاناً للصلاة، وليس بتذكرة دخول سياحية باعتباره متحفاً.

الكاتب :   يوسف أحمد

الوسم


التعليقات مغلقة.
جديد موقعنا
مواقع صديقة … بوسعادة انفو
اسلاميات
http://store6.up-00.com/2017-05/1495223280341.jpg
اشترك بالنشرة البريدية للموقع

أدخل بريدك الإلكتروني للإشتراك في هذا الموقع لتستقبل أحدث المواضيع من خلال البريد الإلكتروني.

انضم مع 6٬721 مشترك

%d مدونون معجبون بهذه: