الرئيسية 8 الشبكة الاسلامية 8 شبكة الخطب 8 خطبة .. المؤمنون في يوم القيامة
خطبة .. المؤمنون في يوم القيامة

خطبة .. المؤمنون في يوم القيامة

المؤمنون في يوم القيامة

 

شدة هول الموقف يوم القيامة:

عباد الله، أخبرنا النبي صلى الله عليه وسلم ببعض أمور الآخرة وما فيها من أهوال، وبيَّن ما يلاقيه المؤمن من رحمة الله، وما يلاقيه العصاة والكفرة من الخزي والهوان، وبيَّن القرآن خطورة الموقف يوم القيامة وما في هذا اليوم من الشدائد والأهوال، يوم يحشر الخلائق من القبور إلى أرض المحشر، فإذا الناس حفاة عراة رجالًا ونساءً كالفراش المبثوث، والجبال كالعهن المنفوش، السماء انفطرت ومارت وانشقت وكُشطت وطُويت، والجبال سُيِّرت ونُسفت ودُكَّت، والأرض زُلزلت ومُدَّت وألقت ما فيها وتخلت، الوحوش حُشرت، البحار فُجرت وسُجرت، الأمم على الرُّكَبِ جثت، وإلى كتابها دُعيت، الكواكب انتثرت، النجوم انكدرت، الشمس كُوِّرت ومن رؤوس الخلائق أُدنيت، الأمم ازدحمت وتدافعت، الأقدام اختلفت، الأجواف احترقت، فاض العرق فبلغ الحَقْوَين والكعبين وشحمة الأذنين، والناس بين مستظلٍّ بظل العرش، ومصهور في حر الشمس، الصحف نُشرت، والموازين نُصبت، والكتب تطايرت، صحيفة كل إنسان في يده مخبرة بعمله، لا تغادر بليَّةً كتمها، ولا مُخبَّأة أسرَّها، اللسان كليل والقلب حسير كسير، الجوارح اضطربت، الألوان تغيرت لما رأت، الفرائص ارتعدت، القلوب بالنداء قُرعت، والموءودة سُئلت، والجحيم سُعِّرت، والجنة أُزلفت، عظُم الأمر، واشتد الهول، والمرضعة عما أرضعت ذهلت، وكلُّ ذاتِ حملٍ حملها وضعت، زاغت الأبصار وشخصت، والقلوبُ الحناجرَ بلغت، وانقطعت علائق الأنساب:

وارتكمت سحائب الأهوالِ 
وانعجم البليغُ في المقالِ 
وعنتِ الوجوهُ للقيُّومِ 
واقتُصَّ ن ي الظلم للمظلومِ
وشهِد الأعضاء والجوارحُ 
وبدتِ السَّوْءاتُ والفضائحُ 
وابتُليت هنالك السرائرْ 
وانكشف المخفيُّ في الضمائرْ[1] 

 

شدة هول الموقف على الكافرين:

لقد بيَّن الله تعالى هولَ يوم القيامة على الكافرين؛ إذ قال الله عز وجل: ﴿ الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا ﴾ [الفرقان: 26]، وعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يُنصب للكافر يوم القيامة مقدارُ خمسين ألفَ سنةٍ كما لم يعمل في الدنيا، وإن الكافر ليرى جهنم ويظنُّ أنها مُواقِعَتُه من مسيرة أربعين سنةً)) [2]، وقال الله تعالى: ﴿ فَذَلِكَ يَوْمَئِذٍ يَوْمٌ عَسِيرٌ * عَلَى الْكَافِرِينَ غَيْرُ يَسِيرٍ ﴾ [المدثر: 9، 10]، وقال الله جل شأنه: ﴿ مُهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ ﴾ [القمر: 8]، وهذا يعني أن يوم القيامة يطول على الكفار ويقصر على المؤمنين.

 

تخفيف يوم القيامة على المؤمنين:

صوَّر الله عز وجل حالَ المؤمنين يوم القيامة؛ فقال سبحانه وتعالى: ﴿ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلًا ﴾ [الفرقان: 24]؛ فهذه الآية الكريمة تدل على انقضاء الحساب في نصف نهار؛ لأن المقيل: القيلولة أو مكانها، وهي الاستراحة نصف النهار في الحر، وممن قال بانقضاء الحساب في نصف نهار: ابن عباس وابن مسعود وعكرمة وابن جبير؛ لدلالة هذه الآية على ذلك، كما نقله ابن كثير وغيره، ويشهد له ما رواه أبو هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:((﴿ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ ﴾ [المطففين: 6] مقدارَ نصف يوم من خمسين ألف سنة، يُهوِّن ذلك على المؤمن، كتدلِّي الشمس للغروب إلى أن تغرب)) [3]، وفي الحديث: ((قالوا: فأين المؤمنون يومئذ؟ قال: يُوضع لهم كراسيُّ من نور، مُظلَّلٌ عليهم الغمام، يكون ذلك اليوم أقصر على المؤمنين من ساعة من نهار)) [4]، وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((يوم القيامة على المؤمنين كقدر ما بين الظهر والعصر)) [5]:

لله قومٌ لدار الخلد أخلصهم 
وخصَّهم بجزيل الملك مولانا 
فلو تراهم غدًا في دار ملكِهم 
قد تُوِّجوا من حلي الكون تيجانا 
وقد دعاهم إلى الفردوس سيدهم 
إلى الزيارة والتسليم ركبانا 

 

الخطبة الثانية

عباد الله، إن مما يخفف شدة هول القيامة على المؤمنين لقاء رب العالمين جل في علاه، وهم أسعد الخلق بهذا اللقاء؛ كما قال الله سبحانه: ﴿ هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيمًا * تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأَعَدَّ لَهُمْ أَجْرًا كَرِيمًا ﴾ [الأحزاب: 43، 44]؛ لذا كان نبينا محمد صلى الله عليه وسلم في حياته يدعو بالشوق إلى الله تعالى وإلى لقائه يوم القيامة؛ ومن مأثور دعائه قوله عليه الصلاة والسلام في دعاء طويل: ((وأسألك بَرْدَ العيش بعد الموت، وأسألك لذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، في غير ضراءَ مضرةٍ، ولا فتنة مضلة))[6].

 

ومما يهون يوم القيامة على المؤمنين أن الله تعالى يُدخِلُ من أمة النبي صلى الله عليه وسلم سبعين ألفًا مع كل واحد سبعون ألفًا الجنةَ بغير حساب؛ ففي مسند أحمد بإسناد صحيح عن أبي بكر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ((أُعطيتُ سبعين ألفًا من أمتي يدخلون الجنة بغير حساب، وجوههم كالقمر ليلة البدر، قلوبهم على قلبِ رجلٍ واحد، فاستزدتُ ربي عز وجل، فزادني مع كل واحد سبعين ألفًا)) [7]، ويُضاف إلى هذا العدد قوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لما تكلم عمن يدخل الجنة بغير حساب قال: ((وثلاث حَثَيَات من حثيات ربي))، فما أكرم الله تعالى!

 

واعلموا عباد الله أن من طال انتظاره في الدنيا للموت؛ لشدة مقاساته للصبر عن الشهوات، فإنه يقصر انتظاره في ذلك اليوم خاصةً، فاحرص أن تكون من أولئك المؤمنين، فما دام بقي لك نَفَسٌ من عمرك، فالأمر إليك والاستعداد بيديك، فاعمل في أيام قِصارٍ لأيامٍ طِوال، تربح ربحًا لا منتهى لسروره، واستحقر عمرك بل عمر الدنيا، فإن صبرتَ عن المعاصي في الدنيا؛ لتخلص من عذاب يوم مقداره خمسون ألف سنة – يكُنْ ربحُك كثيرًا وتعبُك يسيرًا.

 

هذا، وصلى الله وسلم على الهادي البشير والسراج المنير.


[1] من خطبة الحقيقة لفضيلة الشيخ على بن عبدالخالق القرني حفظه الله.

[2] المصدر: تخريج المسند رقم: (11714)، وقال شعيب الأرنؤوط: حسن لغيره.

[3] صححه الألباني في السلسلة الصحيحة، (6/ 769).

[4] صحيح ابن حبان (7419)، صحيح الترغيب (3187).

[5] صححه الألباني في صحيح الجامع، حديث رقم: (8193).

[6] رواه النسائي، وسنده صحيح صححه الألباني في صحيح الجامع، حديث رقم: (1301).

[7] رواه أحمد (1/ 6) (22)، وقال الألباني في السلسلة الصحيحة (1484): صحيح بشواهده.

بو زيد السيد عبد السلام رزق

عن ahmed

%d مدونون معجبون بهذه: