الرئيسية 8 الشبكة الاسلامية 8 شبكة المقالات 8 المسيح عليه السلام .. نحن أولى به من غيره في السير
المسيح عليه السلام  .. نحن أولى به من غيره في السير

المسيح عليه السلام .. نحن أولى به من غيره في السير

خلق الله سبحانه هذا الكون بسماواته وأرضه وما بينهما وما فيهما من ملائكة وجن وإنس، ودبره ونظمه وصار كل شيء في هذا الكون خاضعاً لإرادته وقهره، ومع ذلك يرعاه بلطفه ورحمته وحكمته، وكلف جميع المخلوقات بعبادته وطاعته، فمنهم من امتثل وسارع، ومنهم من كفر وجحد، ومنهم ما تتنازعه نفسه فتوجب معه إلى من يرشده ويبصره، فأرسل الله سبحانه الأنبياء مبشرين ومنذرين، وصحب كل نبي وكل رسول ما يعضده من الآيات والمعجزات والذكر الحكيم، وجعل شريعة الجميع الإسلام، فكان كل رسول يأتي يحمل شرائع وشعائر من سبقه، مطالباً القوم بالإيمان به، حتى كان رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء والرسل، وصار من خصال أمته الإيمان بجميع الرسل السابقة وجميع الكتب، قال تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (البقرة: 285)، وحينما سأل النبي محمد صلى الله عليه وسلم في الحديث الطويل الذي رواه عمر بن الخطاب رضي الله عنه عن الإيمان قال: “أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره” (رواه مسلم).

وهكذا توثقت عرى الإسلام بالإيمان بكل رسالة وكتاب جاء قبل محمد صلى الله عليه وسلم، فصارت الأمة المحمدية أولى بهؤلاء الرسل دون غيرهم ممن حاولوا قتلهم أو تأليههم.

وفي هذه الأيام، يحتفل العالم بميلاد السيد المسيح عليه السلام، وعلى الرغم أن القرائن والدلائل تؤكد أن ميلاده كان في الصيف، فإننا كمسلمين أولى بعيسى عليه السلام من غيره في السير على ما جاء به من شرائع وشعائر أكدتها تعاليم الدين الإسلامي بعد ذلك، وليس بالخروج عن شعائر الإسلام والتزامه، ولهذا جاءت كلمات الكاتب جورج برنارد شو توصيفاً لتعظيم أمة الإسلام لنبي الله عيسى عليه السلام فقال: “إن أتباع محمد أوفر أدباً في كلامهم عن المسيح”، وهي الكلمات التي ترجمها عملياً سيدنا جعفر بن أبي طالب في صدر الإسلام حينما سأله النجاشي عما يقولون في المسيح عليه السلام، فجاء رد جعفر صادقاً متأدباً مع نبي من أنبياء الله فقال له: “نَقُولُ فِيهِ الَّذِي جَاءَ بِهِ نَبِيُّنَا، هُوَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ”، وهكذا عقيدة الإسلام ونظرتها في المسيح عيسى عبد الله ورسوله وروحه وكلمته ألقاها إلى مريم البتول.

لقد كانت ولادة المسيح عليه السلام دليلاً على عظمة الخالق الذي يقول للشيء كون فيكون، ولمَ لا وقد خلق قبل عيسى الذي ولد من غير أب، خلق أدم من غير أب وأم، بل خلق السماوات والأرض وما فيهن بقدرته وعظمته؟! ولهذا كان رد الرسول المرسل لمريم البتول حينما تعجبت من مهمته: {قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا}، فكان رده: {قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِّنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَّقْضِيًّا} (مريم: 20-21)، ومع ذلك الإعجاز قذفها قومها بالافتراءات والكذب والبهتان: {قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا}، فجاءت عقيدة الإسلام مصححة لما قالوا، ومؤكدة أن مريم من خير نساء الأرض؛ {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ} (آل عمران42)، وهو ما نطق به جعفر في حق نبي الله عيسى عليه السلام وحق أمه، وينطق به كل مسلم حتى قيام الساعة دون تشكيك أو ريب “هُوَ عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَرُوحُهُ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ الْعَذْرَاءِ الْبَتُولِ”، وهو ما زكاه نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم بقوله في الحديث الذي رواه علي بن أبي طالب: “خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بنْتُ عِمْرَانَ وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بنْتُ خُوَيْلِدٍ” (صحيح مسلم).

فهل يكون الصمت خطيئة؟! نعم إذا كان هذا الصمت يحجب الإيمان والحقيقة، ولكن الصمت مهما طال فستمزقه كلمة حق حين تُقال.

فالمسيح عيسى ليس إلهاً ولم يأمر الناس بعبادته، لكنه أمرهم بعبادة الواحد الأحد، فبراء الله سبحانه ساحة المسيح مما يقال عليه ممن بهتان وهو أمر لأمة الإسلام بالإيمان بذلك والحديث به والبعد عن الخوض فيما يقال من بهتان بأن المسيح إله أو أنه ابن الله فقال تعالى: {وَإِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَٰهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلَا أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ* مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (المائدة 116-117).

وقال: جاء في (إنجيل يوحنا 8: 40): “وَلكِنَّكُمُ الآنَ تَطْلُبُونَ أَنْ تَقْتُلُونِي، وَأَنَا إِنْسَانٌ قَدْ كَلَّمَكُمْ بِالْحَقِّ الَّذِي سَمِعَهُ مِنَ اللهِ”.

لقد كانت بعثة عيسى عليه السلام البشارة الأخيرة لبعثة آخر نبي لهذه البشرية، حينما قال: {وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم مُّصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ} (الصف: 6)، يقول د. محمد عبدالله الدراز: “كانت الشرائع السماوية خطوات متصاعدة ولبنات متراكمة في بنيان الدين والأخلاق وسياسة المجتمع، وكانت مهمة اللبنة الأخيرة أنها أكملت البنيان، وملأت ما بقي فيه من فراغ، وأنها كانت بمثابة حجر الزاوية الذي يمسك أركان البناء، إنها إذاً سياسة حكيمة رسمتها يد العناية الإلهية لتربية البشرية تربية تدريجية لا طفرة فيها ولا ثغرة، ولا تناقض ولا تعارض، بل تضافُرٌ وتعانقٌ وثباتٌ واستقرارٌ، ثم نموٌ واكتمالٌ وازدهار.

الغريب أن الذين أضفوا على عيسى عليه السلام صفة الألوهية هم من ملأ الحقد قلوبهم عليه وكفروا بما جاء وسعوا إلى قتله قال تعالى: {وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيماً، وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَـكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا} (النساء: 157).

وهكذا أكد القرآن الكريم والسُّنة المطهرة حقيقة نبوة المسيح عليه السلام وطهر أمه البتول، وصدق ما دعا الناس إليه، فصارت أمة محمد صلى الله عليه وسلم شاهدة على ما جاء به، مصدقة لما نادى ودعا إليه، مؤمنة بعيسى وجميع من سبقه من الرسل عليهم السلام، فأصبحنا أولى بعيسى في الاقتداء بمنهجه والإيمان بنبوته.

يقول الكاتب البريطاني أرسكين تشايلدرز: “إن العلاقة بين المسلمين وغيرهم لم تكن متوازنة من البداية؛ فقد اعترف الإسلام بالديانات السماوية، واعتبر الإيمان بأنبيائها جزءاً من سلامة اعتقاد المسلم، في حين أن أهل هذه الأديان لم يعترفوا بالإسلام ولم يهادنوه يوماً”.

الكاتب :   عبده دسوقي

عن ahmed

%d مدونون معجبون بهذه: