الرئيسية 8 الشبكة الاسلامية 8 الحبيب المصطفى 8 الحبيب المصطفى .. الرسول هو الأسوة للمؤمنين

الحبيب المصطفى .. الرسول هو الأسوة للمؤمنين

الرسول هو الأسوة للمؤمنين

 

إنَّ رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – أنفَسُ ما عَرفتِ الإنسانيَّة من زعماء، وأكرمُ ما ظهر منها من رجالٍ عُظماء، إنه سيِّد المرسلين، وأشرف النبيِّين، وخيرُ الهُداة والمرشدين، وأعظمُ الدعاة والمصلحين، وهو الأُسوة الحسنة للمؤمنين بالله واليوم الآخر.

 

قال الله – تعالى -: ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا ﴾ [الأحزاب: 21].

 

والآيات في ذلك كثيرةٌ مشهورةٌ؛ فمن ذلك:

قوله – تعالى -: ﴿ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ * قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ ﴾ [آل عمران: 31، 32]، وقوله – تعالى -: ﴿ مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا ﴾ [النساء: 80]، وقوله – تعالى -: ﴿ قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ ﴾ [النور: 54]، وقوله – تعالى -: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ ﴾ [النور: 56].

 

ولا بُدَّ لِمَن يريد التأسِّيَ واتِّباعَ الرسول وطاعتَه، لا بُدَّ له من أن يَعرِف تلك السيرةَ العَطِرة التي تناقلتْها الأجيالُ معجبةً بحياة صاحبها – صلَّى الله عليه وسلَّم – وأن يُلِمَّ بجوانبِ هذه السيرةِ المُطهَّرة، التي جمعتْ أقوالَه وأفعالَه وتقريراتِه.

 

إنَّ سيرة النبي العظيم – صلَّى الله عليه وسلَّم – كانت على مرِّ العصور عند جماهير المسلمين منارةً مُضيئةً تدلُّهم على طريق الحق، وتأخذ بأيديهم إلى المستوى الكريم الذي يبلغه إنسان.

 

وممَّا يحِقُّ لنا أن نفخر به: أنَّ هذه السِّيرة قد دُوِّنَت كاملةً، ووصلت إلينا شاملةً لم تدَعْ جانبًا من جوانب حياته – صلَّى الله عليه وسلَّم – دون أن تسجِّلها، حتى إني لأحسبُ أن تاريخ العُظماء في الدنيا لم يعرف رجلًا عظيمًا نقل أصحابُه أخبارَ حياته في كلِّ جوانبها بدقَّة وأمانة، كما نقل أصحابُ محمد – صلَّى الله عليه وسلَّم – وزوجاتُه – رضي الله عنهنَّ – تلك الأخبارَ الكريمة، نقلوها فدوَّنها العلماءُ في كتب السُّنة والسيرة، وأذاعوها بين الناس.

 

ولقد سجَّل كِتابُ الله العظيم جوانبَ متعدِّدةً من حياة هذا الرسول العظيم، تتَّصل بدعوته قومَه، وبجهاده وغزواته، وبعلاقته بأهله مِن أولاد وأعمام وزوجات، وبِصِلَته بأصحابه، سجَّل ذلك كلَّه كتابُ الله، فكان قرآنًا يُتلَى ويُحفَظ، ويُقرأ ويُتأمَّل، وسجَّلتْه كذلك كتبُ السُّنة والسيرة – كما ذكرنا – بدقة واستقصاء وشمول.

 

إن التأسِّي بالرسول واتِّباعه وطاعته أمرٌ واجب، يجب على المسلم أن يقوم به؛ لِمَا مرَّ بنا من الآيات التي ذكرناها في مطلع هذه الكلمة، وإنَّه لشرفٌ عظيمٌ لهذه الأمَّة المسلمة أن يكون سيِّدُ الخلق وأكمل البشر – صلَّى الله عليه وسلَّم – قدوتَها وإمامَها.

 

إننا نستطيع أن نُحقِّق لأنفسنا أمنيَّةً يعِزُّ وجودُها، وهي: أن نُتيحَ لأنفسنا أن ترى الاستقامة والسموَّ والإباء، والحق والقوة، والورع والعدالة، والعقل والحكمة، والخلق الحسن والتواضع، والزهد والإيثار، والشجاعة والبلاغة والبيان، والصبر والإحسان، أن ترى ذلك كلَّه مثلًا أعلى تسعى نحوَه، وتتأسَّى به.

 

وماذا يقول المادحون والواصفون في عظمة هذا النبي العظيم، بعد أن أثنى عليه اللهُ ربُّ العالمين في قوله: ﴿ وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ ﴾ [القلم: 4]؟! ولله درُّ القائل:

أَيَرُومُ مَخْلُوقٌ ثَنَاءَكَ بَعْدَ مَا ♦♦♦ أَثْنَى عَلَيْكَ الوَاحَدُ الخَلَّاقُ

وقد أحسن شوقي في تعداد بعض خِصاله الكريمة، وشمائله المباركة، حين قال:

زَانَتْكَ فِي الخُلُقِ العَظِيمِ شَمَائِلٌ 
يُغَرَى بِهِنَّ وَيُولَعُ الكُرُمَاءُ 
وَالحُسْنُ مِنْ كَرَمِ الوُجُوهِ وَخَيْرُهُ 
مَا أُوتِيَ القُوَّادُ وَالزُّعَمَاءُ 
فَإِذَا سَخَوْتَ بَلَغْتَ بِالجُودِ المَدَى 
وَفَعَلْتَ مَا لًا تَفْعَلُ الأَنْوَاءُ 
وَإِذَا عَفَوْتَ فَقَادِرًا وَمُقَدَّرًا 
لًا يَسْتَهِينُ بِعَفْوِكَ الجُهَلًاءُ 
وَإِذَا رَحِمْتَ فَأَنْتَ أُمٌّ أَوْ أَبٌ 
هَذَانِ فِي الدُّنْيَا هُمَا الرُّحَمَاءُ 
وَإِذَا غَضِبْتَ فَإِنَّمَا هِيَ غَضْبَةٌ 
فِي الحَقِّ لًا ضِغْنٌ وَلًا بَغْضَاءُ 
وَإِذَا رَضِيتَ فَذَاكَ فِي مَرْضَاتِهِ 
وَرِضَا الكَثِيرِ تَحَلُّمٌ وَرِيَاءُ 
وَإِذَا خَطَبْتَ فَلِلمَنَابِرِ هِزَّةٌ 
تَعْرُو النَّدِيَّ، وَلِلقُلُوبِ بُكَاءُ 
وَإِذَا قَضَيْتَ فَلًا ارْتِيَابَ كَأَنَّمَا 
جَاءَ الخُصُومَ مِنَ السَّمَاءِ قَضَاءُ 
وَإِذَا حَمَيْتَ المَاءَ لَمْ يُورَدْ وَلَوْ 
أَنَّ القَيَاصِرَ وَالمُلُوكَ ظِمَاءُ 
وَإِذَا مَلَكْتَ النَّفْسَ قُمْتَ بِبِرِّهَا 
وَلَوَ انَّ مَا مَلَكَتْ يَدَاكَ الشَّاءُ 
وَإِذَا بَنَيْتَ فَخَيْرُ زَوْجٍ عِشْرَةً 
وَإِذَا ابْتَنَيْتَ فَدُونَكَ الآبَاء[1] 
وَإِذَا صَحِبْتَ رَأَى الوَفَاءَ مُجَسَّمًا 
فِي بُرْدِكَ الأَصْحَابُ وَالخُلَطَاءُ 
وَإِذَا أَخَذْتَ العَهْدَ أَوْ أَعْطَيْتَهُ 
فَجَمِيعُ عَهْدِكَ ذِمَّةٌ وَوَفَاءُ 
يَا أَيُّهَا الأُمِّيُّ حَسْبُكَ رُتْبَةً 
فِي العِلْمِ أَنْ دَانَتْ بِكَ العُلَمَاءُ 
الذِّكْرُ آيَةُ رَبِّكَ الكُبْرَى الَّتِي 
فِيهَا لِبَاغِي المُعْجِزَاتِ غَنَاءُ[2] 

 

وقال ابنُ حزمٍ: “مَن أراد خيرَ الآخرة، وحكمةَ الدنيا، وعدلَ السِّيرة، والاحتواءَ على المحاسن كلِّها، واستحقاقَ الفضائل بأسْرِها – فليقتدِ بمحمَّدٍ رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – وليعتمد أخلاقه وسيره ما أمكنه”[3].

 

وإن هذا التأسِّيَ والاقتداءَ لسبيلٌ ميسورة تنتهي بسالكها إلى السعادة في الدنيا، والنجاة والجنَّة يوم القيامة.

 

ومعرفة هذه السبيل – كما سبق أن ذكرنا – في كتاب الله، وفي كتب السُّنة والسيرة، ومِن واجب أهل العلم أن يُفكِّروا في أسلوب عرض أحداث السيرة بطريقةٍ مشوقةٍ مُحبَّبة، تغري السامعَ والقارئ بالاقتداء برسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – فما أكثرَ ما يقلِّد المُعجَبون بالأبطالِ أولئك الأبطالَ!

 

لقد بقيت هذه السيرةُ المُطهَّرة طَوالَ القرون الماضية حيَّةً في أذهان كثيرٍ من الناس، حيَّة في ضمائرهم، يقُصُّها الوُعَّاظُ والمُدرِّسُون في المساجد والمجتمعات، ويحكيها الآباء والأمَّهات لأولادهم من بنين وبنات، وقد نَظَمَها عددٌ من الشُّعراء في قصائدَ وأراجيز، وكتبها الكُتَّاب المُعاصرون في روايات، وما زال نشرها يحتاج إلى مزيدٍ من الإبداع والإجادة.

•   •     •

 

ولعلماء الحديث موقفٌ خاصٌّ من السيرة، فحرصًا منهم على أن يتناقلَ الناسُ أخبارَ السيرة النبوية؛ ليكون أثرها في حياة الناس جلِيًّا؛ تساهلوا في أخبار المغازي، فلم يتشدَّدوا فيها تشدُّدَهم في أحاديث الأحكام، ولهذا الموقف آثارٌ إيجابيةٌ، وآثارٌ سلبيةٌ.

 

ومن هنا كانت هناك أخبارٌ في السِّيرة لا تصحُّ في ميدان النقد الحديثي البحت.

 

ومن الأمثلة المشهورة الدالة على انقياد الصحابة، والمسارعة لتنفيذ أمر رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم -: أنَّ النبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – قال بعد مُنصرَفِه من غزوةِ الأحزاب مُخاطبًا الصحابةَ، حاضًّا إيَّاهم على المُسارعة: ((لا يُصلِّينَّ أحدٌ منكم العصرَ إلَّا في بني قُريظة))، وقد أدرك بعضهم صلاة العصر في الطريق، فصلَّوها حاملين قولَ الرسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – على قصْد المسارعة، ولم يُصلِّها الآخرون إلَّا في بني قُرَيْظة، فصلَّوها بعد مُضِيِّ وقتها، حاملين الأمر على حقيقته، فذُكِر ذلك للنبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – فلم يُعنِّف واحدًا منهم؛ رواه البخاري برقم 4119، ومسلم برقم 177، وانظر: “سيرة ابن هشام” 3/244- 246، و”زاد المعاد” 3/129، و”نور اليقين” 166- 167.

 

ومن الأمثلة الدالة على اقتداء الصحابة – رضوان الله عليهم – بعمل الرسول – صلَّى الله عليه وسلَّم – وقولِه، ما يأتي:

• أخرج مالك، والبخاري، ومسلم، والترمذي، وابن ماجه، والنسائي، عن سعيد بن يسار قال:

كنتُ مع ابن عمر – رضي الله عنهما – في طريق مكَّة، فلمَّا خشيتُ الصبح نزلتُ فأوترتُ، فقال ابن عمر – رضي الله عنهما -: “أليس لك في رسول الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – أسوة حسنة؟!”، قلتُ: بلى، قال: فإنَّه كان يُوتِر على البعير[4].


[1] بنى بأهله: زُفَّ إليهم، وابتنى: صار له بنون.

[2] “الشوقيات” 1/24، 25.

[3] “مُداواة النفوس وتهذيب الأخلاق”، لابن حزمٍ، ص 13.

[4] “الدر المنثور” 5/189.

عن ahmed

%d مدونون معجبون بهذه: