الرئيسية 8 الشبكة الاخبارية 8 اصداء الصحافة 8 عالمنا المتوحش.. لماذا يموت الناس فقرا وجوعا بينما أرضهم مليئة بالخيرات؟
عالمنا المتوحش.. لماذا يموت الناس فقرا وجوعا بينما أرضهم مليئة بالخيرات؟

عالمنا المتوحش.. لماذا يموت الناس فقرا وجوعا بينما أرضهم مليئة بالخيرات؟

متوحش هذا العالم الذي نعيش فيه اليوم، فمعظم تفاصيله باتت محكومة بالمنافع المادية البحتة دون أي اعتبار آخر لقيم أو أخلاق أو مبادئ، ابتداء بأبسط علاقات الناس بعضهم مع بعض وانتهاء بالعلاقات الدولية وقرارات السلم والحرب، أصبحنا نعيش في عالم يصدق فيه القول بأن أحق الناس بصحبة الإنسان هو ماله، ثم ماله ثم ماله. لم تعد بقايا الرحمة والضمير في هذا العالم قادرة على أن تقف في وجه السيل الجارف من الطمع والجشع الذي غزا افئدة البشر فاستحوذ عليها واقتلع منها كل معاني الرحمة والحنان. لم يعد من المستغرب في عالمنا أن تسمع عن آلاف الأطفال والنساء والشيوخ ممن يموتون يوميا بردا أو جوعا أو مرضا هنا أو هناك دون أن يرتعش لموتهم أحد. أما المنظمات الدولية التي ما زال لديها بقية من رحمة فقد باتت تتسول على أبوب المتبرعين طلبا لما قد يسد أبسط احتياجاتها من أجل تامين لقمة طعام أو حبة دواء أو شربة ماء لملايين المحتاجين والمحرومين من الذين فتكت بهم الأمراض أو شردتهم الحروب والكوارث… فكيف تطور العالم حتى وصل لهذا المستوى المرموق من “الحضارة”؟

بعد أكثر من ربع قرن على نشر كتاب نهاية التاريخ للفيلسوف الأمريكي فرنسيس فوكوياما عام 1992 والذي قال فيه بأن انتصار النظام الرأسمالي سوف يحدد نهاية التاريخ باعتباره النظام الأكثر ملائمة لحياة البشر، فإننا نجد أنفسنا اليوم في عالم وصل لذروة توحشه وقسوته. فالنيوليبرالية التي تطورت عن الرأسمالية والتي تغلغلت في أوصال العالم اليوم، أطلقت العنان تماما لطمع الإنسان وجشعه وأعطت الضوء الأخضر للأفراد لتكديس ما يستطيعون تكديسه من ثروات دون قيود تذكر. نتيجة لذلك فقد تجمعت وتركزت ثروات العالم بشكل مرعب في أيدي قلة قليلة من الأشخاص في نفس الوقت الذي ازدادت فيه حياة المليارات من البشر فقرا وجوعا وبؤسا وحرمانا.

إن متابعة الأرقام والتقارير المرتبطة بموضوع تراكم الثروات لا يمكن أن يصيب المتابع إلا بالذهول والصدمة. ففي شهر يناير الماضي صدر التقرير السنوي لمنظمة أوكسفام البريطانية الشهيرة. هذا التقرير لا يختلف عن سابقيه في إطلاقه لصافرات الإنذار المحذرة من التكدس المجنون لثروات العالم في أيادي قليلة من الأشخاص على حساب الغالبية العظمى من سكان هذا الكوكب. تقول أرقام أوكسفام بأن ستة وعشرين شخصا في عالمنا اليوم يملكون ثروة تعادل الثروة التي يملكها نصف سكان الأرض الأكثر فقرا. أي أن ستة وعشرين شخصا فقط يملكون ثروة تعادل الثروة التي يملكها أكثر من ثلاث مليارات وثمانمائة مليون إنسان. زد على ذلك بأن ثروات أرباب المال هؤلاء قد زادت في العام الماضي بحوالي تسعمئة مليار دولار، أي ما يعادل حوالي مليارين ومئتي مليون دولار يوميا!  

في عالمنا اليوم يا سادة بات ممكنا أن نقارن قيمة النشاطات الاقتصادية التي تتم في دول كبيرة يسكنها مئات الملايين من البشر بالنشاطات الاقتصادية لإحدى الشركات الكبرى. فلو أخذنا على سبيل المثال قيمة معظم الشركات المسجلة في دولة مثل الهند والتي يفوق عدد سكانها المليار نسمة، فإنها تتعادل تقريبا مع قيمة أسهم شركة نستله لوحدها. أما مصر فتتعادل تقريبا مع شركة Burger King والبرازيل مع Google وروسيا مع شركة P&G والمغرب مع شركة Hasbro… (انظر تقرير The Economist الصادر في 18 يناير 2014).

المثير جدا للانتباه والدهشة وفقا لتقرير أوكسفام، أنه لو دفع واحد بالمئة من هؤلاء فقط زيادة ضريبية مقدارها 0.5% فقط لتمكن العالم من تامين الرعاية الصحية التي تكفل الإبقاء على حياة أكثر من ثلاثة ملايين إنسان…. ولاستطاع تقديم تعليم جيد لأكثر من 262 مليون طفل لا يرتادون المدارس…. تخيل!

إلا أن الواقع معاكس لذلك تماما، فالتقرير نفسه يشير إلى أن أصحاب الثراء الفاحش والشركات العابرة للقارات في العالم، وعلى الرغم من الزيادات الصاروخية في حجم ثرواتهم، إلا أنهم يدفعون اليوم ضرائب أقل بكثير بالمقارنة مع ما كانوا يدفعونه قبل عقود. هذا الحال أدى تراكميا إلى تطبيق المزيد من الضغط على الموازنات العامة حتى باتت غالبية الدول، بما فيها الدول المصنفة كمتقدمة وعلى رأسها الولايات المتحدة الأمريكية، عاجزة عن الاستمرار في تقديم خدماتها العامة لمواطنيها دون اللجوء للاستدانة من المؤسسات المالية الدولية (كصندوق النقد الدولي) أو خصخصة ما تبقى تحت سيطرتها من مرافق عامة، مما يجعل قرارتها السيادية مرهونة لهذه الجهات.

لنقف هنا لحظة. فقد مرت عبارة تستحق الانتباه: “استدانة الدول من المؤسسات المالية الدولية”. في الحقيقة، أن كل ما تحدثت عنه منظمة أوكسفام من حيتان الثروات ليس سوى رأس جبل الجليد. فهؤلاء لا يشكلون سوى الصف الأول الظاهر أمام الناس والذي يبدو كحمامة سلام أمام ما يخفيه الصف الثاني الخلفي. الصف الأول يمثل أساطين الخدمات والصناعات من أمثال أمازون وجوجل وفيسبوك وزارا ومايكروسوفت وغيرهم. إلا أن ثروات هؤلاء كلها تصب في نظام أكبر يتحكم فيه أشخاص أقل، إنه النظام البنكي والمالي العالمي. من هنا يمر كل شيء يا سادة… وهنا تتركز القوة الحقيقية.

ا يمكن لأثرياء الصف الأول أن يتحركوا بدون تصريح بالتحرك من أساطين المال في الصف الثاني. فهؤلاء يتحكمون فعليا بالقسم الأكبر من المال الذي يتحرك عبر العالم. يمكن بشكل مبسط للغاية أن نقسم مخازن التحكم الاقتصادي العالمي أن صح التعبير إلى ثلاثة أقسام على شكل زجاجة ماء. القسم الأوسع والأكبر من الزجاجة يمثل الثروة الطبيعية في عالمنا (الثروة الزراعية، الحيوانية، المعدنية، النفطية الخ). هذه الثروة تمثل حجما ضخما للغاية لا يمكن احصاؤه، إلا أن المشكلة تكمن في أن تحريك هذه الثروة والاستفادة منها لا بد أن يمر بعنق الزجاجة الضيق والذي يمثله المال، وهذا الأخير لا بد أن يمر بعنق الزجاجة الأضيق والذي يمثله الذهب.

قاعدة تحكم الذهب بالمال قد تغيرت بشكل كبير خاصة بعد قرار الرئيس نيكسون فك ارتباط الدولار بالذهب عام 1971. هذا القرار حرر المال بشكل كبير من سيطرة الذهب وصارت الولايات المتحدة قادرة بالتالي على طباعة ما تشاء من أوراق العملة الخضراء وفرض تداولها داخل الولايات المتحدة وعلى مستوى العالم. ساعدها على ذلك بشكل جوهري فرض بيع النفط بالدولار حصرا في أكثر الدول انتاجا وتصديرا للنفط وهي المملكة العربية السعودية. استنادا لذلك فقد بات الدولار الورقي ذو قيمة بحد ذاته وبات مقبولا للتداول العالمي بدون أي غطاء من الذهب، مما شجع دول العالم على تعزيز احتياطاتها من الدولار.

هذه السيطرة العالمية للدولار تم تعميمها وضبطها بشكل دقيق للغاية عبر شبكة واسعة من الأنظمة المصرفية التي يتحكم بها قلة قليلة من الأشخاص وليس الحكومات. فبنك الاحتياطي الفدرالي الأمريكي مثلا والذي يمثل واحد من أضخم المؤسسات المالية العالمية وزنا وتأثيرا ليس مملوكا لحكومة الولايات المتحدة، بل إن الحكومة الأمريكية لا تملك أي سيطرة فعلية عليه. هذا البنك إضافة لبعض البنوك الشريكة الأخرى تتحكم فعليا في حركة الدولار عبر العالم، وتوجهها بالتالي تبعا لأهدافها ومصالحها السياسية والاقتصادية والمالية والأيديولوجية وبغض النظر عن أي نتائج أخرى مهمه كانت. فهموم البشرية وأوجاعها لا تهم هؤلاء في شيء على الرغم من كل أكاذيبهم التي تزعم غير ذلك والتي يمررونها علينا صباح مساء مستخدمين مسحات خفيفة من مساحيق التجميل التي لم تستطع أن تخفي بشاعة جشعهم.

هذا الشرح المبسط يمكن أن يقدم إجابة عامة على تساؤلنا: لماذا يموت الناس جوعا وفقرا بينما أرضهم مليئة بالخيرات؟ فالثروات في دولة ما بحاجة لأموال لاستثمارها وتصنيعها وتسويقها دوليا وقبض أثمانها وإعادة تدويرها في الدورة الاقتصادية للبلاد، مما يستلزم فتح صنبور الدولارات ليتحرك بحرية من وإلى هذه الدولة. لذلك فإن إغلاق القنوات المالية عن هذه الدولة، والذي غالبا ما يكون لأسباب سياسية، يمكن أن يكون أحد الأسباب الرئيسية لتجويع أهلها على الرغم من غناهم بالثروات الطبيعية، خاصة لو كان على رأس هذه الدولة قيادة سياسية غير ذات رؤية أو مرتهنة هي بذاتها لتنفيذ الأجندات الخارجية… وما أكثر هذه “القيادات” في أيامنا هذه. مع الإشارة أخيرا إلى أن وجود قيادات وطنية وحكيمة على رأس بعض الحكومات كماليزيا وتركيا قد خفف كثيرا من قواعد هذه اللعبة العالمية الظالمة وساعد على إحداث تنمية ملحوظة رغما عن أنف الكثيرين.

عن ahmed

%d مدونون معجبون بهذه: