الرئيسية 8 تقارير الشبكة 8 الانتخابات النصفية الأمريكية.. كيف خسر الجمهوريون وفاز ترامب؟
الانتخابات النصفية الأمريكية.. كيف خسر الجمهوريون وفاز ترامب؟

الانتخابات النصفية الأمريكية.. كيف خسر الجمهوريون وفاز ترامب؟

لا يفقد الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” قدرته على ابتكار طرق جديدة لصدمة محدثيه ومتابعيه ومفاجأتهم أبدا في أي موقف مهما بدا جادا أو روتينيا، ويبدو أن المؤتمر الصحفي المثير للجدل الذي عقده للتعليق على نتائج انتخابات التجديد النصفي لم يكن استثناء من تلك القاعدة، فبخلاف ادعاء ترامب غير المفاجئ أن نتائج الانتخابات كان انتصارا واضحا لحزبه الجمهوري، رغم خسارة الجمهوريين للأغلبية في مجلس النواب، فإن الرئيس الأمريكي قد تخطى توقعات الجميع حين أجبرته النشوة فيما يبدو على خلع رداء الوقار الدبلوماسي ليتقمص دورا أكثر شبها بممثلي عروض الكوميديا الحية، ساخرا(1) من مرشحي حزبه الجمهوريين الذين خسروا مقاعدهم البرلمانية لرفضهم الاصطفاف مع الرئيس خلال حملاتهم الانتخابية.

من وجهة نظر ترامب، فإن مايا لوف(2)، نائبة يوتا وأول امرأة سوداء تدخل إلى الكونغرس على قوائم الحزب الجمهوري، قد خسرت مقعدها لأنها لم تعط ترامب «أي حُب»، حد وصفه، وكان ذلك أيضا هو السبب في خسارة كل من كارلوس كوربيلو في فلوريدا، ومايك كوفمان في كولورادو، وبيتر روسكام في إيلينوي؛ وباربارا كومستوك في فرجينيا، وجميعهم اختاروا النأي بأنفسهم عن ترامب في حملاتهم، ليصبحوا أهدافا لسخرية الرئيس المنتشي الذي لم يجد حرجا في الاعتراف بأنه «يشعر بالرضا تجاه خسارتهم».

في عقل دونالد ترامب يدور كل شيء حول دونالد ترامب كما يبدو، فلا غضاضة أن يخسر مرشحو حزبه طالما أن هؤلاء المرشحين لم يكونوا متوافقين معه، ولا حرج أن يعاني الحزب نفسه إذا كان قد خرج هو فائزا، ولا بأس حتى أن تتعطل الأجندة التشريعية للجمهوريين بفعل خسارتهم مجلس النواب ما داموا قد فازوا في مجلس الشيوخ وأمنوا مقعده الرئاسي من العزل، ولا بأٍس أن يسيطر الديمقراطيون على ولايات نيفادا ونيو مكسيكو وويسكونسن وميشيغان ومين، طالما(3) فاز أنصاره بمقاعد المحافظين في فلوريدا، وأياوا، وأوهايو، وجورجيا، وهي الولايات التي تهم من وجهة نظره في السباق الرئاسي المنتظر لعام 2020.

كان ترامب يخوض سباقه الانتخابي الخاص إذن، فبالنسبة إليه، لم تكن الانتخابات النصفية لـ 2018 سوى جولة مبكرة لمعركة إعادة انتخابه المنتظرة في عام 2020، وعند النظر من تلك الزاوية فقط فإن ردود أفعال الرئيس الأمريكي تظهر متسقة بشكل كبير، بداية من سخريته الشنعاء من خصومه الجمهوريين الخاسرين، إلى تعظيمه من شأن انتصارات الشيوخ وتهوينه من هزيمة النواب، وانتهاء إلى ترحيبه بصعود خصومه الديمقراطيين للاستفادة من وجودهم لإشعال المزيد من المعارك الكلامية التي يبرع ترامب في إدارتها.

ورغم ذلك، فإن ترامب لا يبدو مخطئا تماما في رؤيته على ما يبدو، فمع تجاهل الوهج الإعلامي المرتبط باستعادة الديمقراطيين لأغلبية النواب للمرة الأولى منذ 8 أعوام، ومن خلال النظر في نتائج الانتخابات الأخيرة في السياق التاريخي لنتائج الانتخابات النصفية، لا يبدو أن الديمقراطيين قد حققوا ذلك النصر الذي يستحق الاحتفاء، حيث لم يكسب الديمقراطيون سوى أغلبية ضئيلة في مجلس النواب، والأهم من ذلك أن حجم خسائر الجمهوريين في هذه الانتخابات يبدو ضئيلا مقارنة بالخسائر المعتادة لحزب الرئيس في انتخابات منتصف المدة، على مدار التاريخ السياسي الحديث للكابيتول هيل.

انتصار الترامبيين
عادة ما تمثل انتخابات منتصف المدة بالنسبة إلى الأمريكيين فرصة للتعبير عن الاستياء من أداء الرئيس، من خلال تقليص الدعم لحزبه في الكونغرس، ومنح المزيد من التفويض للحزب المنافس لوضع قيود أكبر على سياساته، لذا فإن النغمة السائدة(4) في السياسة الأمريكية هي أن الحزب الحاكم غالبا ما يخسر عددا كبيرا من مقاعده البرلمانية بعد انقضاء نصف ولاية الرئيس، وهو ما حدث على سبيل المثال مع بيل كلينتون الديمقراطي عام 1994، حين خسر الحزب الديمقراطي 54 مقعدا في مجلس النواب وثمانية مقاعد في مجلس الشيوخ، ومع باراك أوباما الديمقراطي أيضًا في عام 2010، حين خسر الحزب 63 مقعدا في النواب و6 مقاعد في الشيوخ، وبالنظر إلى هذه الزاوية المقارنة تبدو مقاومة الأمريكيين لحكم ترامب محدودة بشكل كبير بالمقارنة مع كلينتون أو أوباما.

والأكثر إثارة للدهشة هنا أن العكس هو ما حدث تماما في مجلس الشيوخ، حيث يتوقع أن يكسب حزب الرئيس ثلاثة مقاعد جديدة على الأقل رافعا حصته من 51 مقعدا إلى 54 مقعدا، وهو استثناء نادر لم يحدث منذ انتخابات منتصف المدة في ولاية جورج دبليو بوش، والتي حصل فيها الجمهوريون على مقعدين إضافيين في مجلس الشيوخ، وقبلها في انتخابات عام 1970 حين خسر الجمهوريون 12 مقعدا في النواب لكنهم حصلوا على مقعدين في مجلس الشيوخ، وفي كلا الحالتين نجح الرئيسان، نيسكون وبوش، في الفوز بفترة رئاسية ثانية بسهولة ملحوظة.

لا يقتصر الأمر على ذلك فحسب، حيث يبدو أن ترامب لن يتمتع فقط بأغلبية أكبر في مجلس الشيوخ، ولكن كما يلاحظ ترامب نفسه، فإن تلك الأغلبية ستصبح أكثر ودا(5) وولاء له، مع رحيل الجمهوريين الأكثر مناهضة له مثل بوب كوكر وجيف فليك، ومن قبلهم جون ماكين، في مقابل صعود صوت مزعج واحد بديل هو ميت رومني. وسوف تجعل هذه الأغلبية الجمهورية الجديدة في مجلس الشيوخ الأمور أكثر سهولة بالنسبة لترامب، خاصة في ملف التعيينات الجديدة للقضاة والمسؤولين، حيث يختص مجلس الشيوخ وحده بالتصديق على هذه التعيينات، ويعني ذلك أن ترامب سيكون له مطلق الحرية في استبدال المسؤولين وملء الفراغات بالموالين له خاصة من القضاة، حيث عين ترامب 60 قاضيا جديدا خلال العامين الماضيين، ولا يزال أمامه 40 موقعا شاغرا سوف يكون قادرا على ملئها على الأرجح بدون أي ضجيج.

على جبهة أخرى، مثلت الانتخابات النصفية برهانا جديدا وأخيرا ربما على أفول التيار التقليدي في الحزب الجمهوري، وترسيخ سيطرة ترامب على اليمين السياسي الأمريكي، حيث يمكن للرئيس أن يفخر بأن حزبه لم يكن ليقدم هذا الأداء الانتخابي الجيد نسبيا دون دعم من قاعدته الخاصة من البيض الشعبويين، ومع ابتعاد تيار الجمهوريين التقليدي عن دائرة الضوء، ورحيل بول رايان رئيس مجلس النواب الأسبق وأحد أكبر منافسي ترامب داخل الحزب، يبقى الطريق مفتوحا أمام تيار الرئيس لتسريع التحول الشعبوي داخل الحزب، والتمهيد لصعود أغلبية جديدة للجمهوريين في 2020، من المنتظر أن تبدو توجهاتها مختلفة تماما عن توجهات الأغلبية التي تزعمها رايان خلال العامين الماضيين.

وحتى فوز الديمقراطيين بالنواب لا يبدو أنه يثير قلقا كبيرا لدى ترامب والموالين له، فداخل البيت الديمقراطي من المرجح أن تواجه زعيمة الديمقراطيين نانسي بيلوسي مهمة صعبة في إدارة تجمع ديمقراطي غير مستقل مع أغلبية غير آمنة وهامش ضئيل للمناورة، وفي المقابل فإن ترامب قد لا يرى أن أجندة الديمقراطيين ربما تكون بالبشاعة المتصورة بالنسبة لحكمه، حيث يمكن أن تكفيه معارضة الديمقراطيين مؤونة البحث عن مخرج لبعض وعوده المثيرة للجدل، مثل موقفه من المهاجرين أو تمويل الجدار الحدودي مع المكسيك.

وبخلاف ذلك، يبدو أن الرئيس مقتنع أن سيطرته على مجلس الشيوخ ستعطيه مفتاحا لعقد صفقة مع الديمقراطيين بشأن الملفات الخلافية، مثل تمرير الموازنة وقضية التعريفات والحروب التجارية ومسائل الهجرة، وغيرها، ولكن ترامب يبدو أنه يربط نافذة الحل السياسي تلك بإغلاق الديمقراطيين للتحقيقات المرتبطة بعلاقات حملته الانتخابية مع روسيا، وملف تأثير الأنشطة التجارية للرئيس وعائلته في قراراته السياسية، والتحقيقات حول فضائحه الجنسية، وهي ملفات عاصفة صبغت المشهد السياسي الأمريكي خلال العامين الأولين من حكمه، ويبدو أنها تأثيرها سيستمر بوضوح خلال الأشهر القادمة.

انتفاضة الديمقراطيين
ومع ذلك فإن الأمور ليست وردية تماما بالنسبة إلى ترامب، فرغم أن مجلس الشيوخ هو من يتمتع بصلاحيات التصديق على التعيينات الحكومية، وهو صاحب الكلمة الفاصلة في قضية عزل الرئيس، كما أنه صاحب سلطة التصديق على المعاهدات وهي الملفات التي ينظر إليها ترامب في المقام الأول، فإن مجلس النواب يتمتع(6) بصلاحيات لا تقل أهمية، وعلى رأسها سلطة البدء في مساءلة المسؤولين الحكوميين، وإقرار الموازنات والمحافظ المالية، كما أن المجلسين يتشاركان سلطات متوازية في إقرار التشريعات، بما يعني أنه لا يمكن للجمهوريين المسيطرين على مجلس الشيوخ تمرير أي تشريعات دون موافقة الديمقراطيين في مجلس النواب والعكس بالعكس أيضا.

ويعني ذلك أن ترامب، الذي لم يواجه أي مقاومة لرئاسته خلال العامين الأولين في السلطة، في طريقه لمواجهة واقع جديد وهو غرفة حيوية في الكونغرس يسيطر عليها معارضوه، وبالنسبة إلى الرئيس الذي نال تأييدا مطلقا من نواب حزبه في جميع سياساته المثيرة للجدل، بدءًا من الانسحاب من الاتفاقات الدولية الكبرى للتجارة والمناخ ومحاولة تعطيل النظام العالمي، ومرورا بالتجاهل العلني للديمقراطية وحقوق الإنسان واحتضان الحكام المستبدين، وليس انتهاء إلى استخدام حسابه ذي الأكثر من 55 مليون مشترك على موقع التواصل الاجتماعي “تويتر” لتوجيه التهديدات واللعنات للجميع، بالنسبة إليه فإن وجود كونجرس معارض لن يكون تحديا سهلا بحال.

فرغم التآكل المتزايد(7) لسلطة الكونغرس في السياسة الأمريكية، بفعل الاصطفاف الحزبي المتزايد والدواعي الانتخابية التي صارت تحكم قرارات النواب أكثر من أي وقت، والصلاحيات المتوسعة التي نالها الرؤساء منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001، رغم كل ذلك فلا يزال الكونغرس يملك سلطة كبيرة في الرقابة على سياسات أي إدارة أمريكية، بما في ذلك صلاحية إعلان الحرب أو وقفها، والقدرة على تنظيم القوات المسلحة وتنظيم التجارة والهجرة، وذلك من خلال أداتين رئيسيتين، الأولى هي الامتناع عن الموافقة على أي تشريعات تطلبها الإدارة تتضمن سياسات مثيرة للجدل والسعي لإقرار تشريعات مضادة، أما الأداة الثانية فهي قوة الموازنة، حيث يستطيع المجلس تمويل البرامج التي يدعمها وحجب الأموال عن تلك التي لا يدعمها.

وقد أثبتت(8) تجارب السياسة الأمريكية أن الكونغرس يمكن أن يفعل الكثير لتقييد صلاحيات الرئيس، ففي السبعينات، وردا على تجاوزات الرئيس نيسكون في ووترجيت، تحركت الأغلبية الديمقراطية لتقييد الرئاسة من خلال سلسلة تشريعات، جاء على رأسها قانون “سلطات الحرب” الذي حد من صلاحية الرئيس في استخدام القوة العسكرية دون موافقة الكونغرس، إضافة إلى قانون الميزانية الذي عزز قدرة الكونغرس على إدارة عملية الموازنة، وحد من قدرة الرئيس على الإخلال بالقرارات المتعلقة بالتمويل، وكذلك قانون مراقبة تصدير الأسلحة الذي منح الكونغرس صلاحية عمل مراجعة شاملة لصادرات الأسلحة، وقانون مراقبة الاستخبارات الأجنبية الذي أنشأ إطارا جديدا للإشراف على خطط المراقبة الإلكترونية بحجة الأمن القومي، كما استحدث الكونغرس آنذاك لجنة خاصة للرقابة على أجهزة الاستخبارات.

وفي التسعينات، قام الكونغرس الجمهوري بتحدي خطة للرئيس الديمقراطي بيل كلينتون لإدارة الشؤون الخارجية، واستخدم ضغوط الميزانية لفرض خطة لإعادة هيكلة الوزارة. ورغم أن الرقابة التشريعية على وجه الخصوص تتطلب توافقا بين غرفتي الكونغرس، حيث يمنح الدستور الأمريكي كلًا من مجلس النواب ومجلس الشيوخ صلاحية الموافقة على القوانين الصادرة من بعضهما البعض، فإن مجلس النواب وحده لا يزال بإمكانه ممارسة الكثير من الإزعاج من خلال ممارسة الرقابة المنتظمة والمكثفة على الإدارة داخل اللجان.

فلدى الكونغرس بكلتا غرفتيه وخاصة مجلس النواب لجان تغطي مختلف الجوانب السياسية الحيوية، بداية من العلاقات الخارجية إلى الخدمات المسلحة، والاستخبارات، والأمن الداخلي، والاعتمادات، بالإضافة إلى لجان التحقيق. ويمكن لهذه اللجان إزعاج إدارة ترامب بجلسات استماع مكثفة حول مختلف القضايا الداخلية مثل التعريفات والهجرة، إلى القضايا الخارجية مثل تغير المناخ والأمن السيبراني والعلاقات مع روسيا والصين وحتى إيران وكوريا الشمالية، بل إن صلاحيات الكونغرس الرقابية تمتد إلى إمكانية التدقيق في أنشطة ترامب وعائلته، حيث يمكن للجنة الرقابة الداخلية والإصلاح الحكومي إزعاج عائلة ترامب ومستشاريه بتحقيقات حول أنشطتهم التجارية مع الروس والصينيين والسعوديين والإماراتيين والإنفاق الباذخ للحكومات الأجنبية في فنادق ترامب، ومدى تأثير ذلك على سياسات الإدارة وأفعالها الرسمية.

ورغم أن هذا النوع من الجلسات والتحقيقات قد لا يسفر على تأثيرات مباشرة على السياسة العامة، إلا أنه يجتذب اهتمام وسائل الإعلام ذات التأثير القوي، ويمكن أن يحول دفة النقاش العام إلى قضايا بعينها لا تحبها الإدارة، تماما كما حدث عام 2004 حين قام نائب كاليفورنيا “هنري واسكمان”، العضو الديمقراطي في لجنة الرقابة والإصلاح الحكومي، بإجراء تحقيق في أسلحة الدمار الشامل في العراق، حيث كشف أن مجتمع الاستخبارات لديه معلومات تتناقض مع تصريحات إدارة بوش حول التهديد الذي يشكله العراق.

استغل الرئيس زخم الانتخابات النصفية من أجل الإطاحة بوزير العدل جيف سيشنز بسبب رفضه مساندة ترامب وتحجيم تحقيقات التدخل الروسي

رويترز

وفي المقابل، يمكن للبيت الأبيض أن يمارس ضغوطا على الوكالات الأمريكية لمنعها من الاستجابة لتحقيقات الكونغرس، ولكن تلك الوكالات تعلم أنها تعتمد على الكونغرس لخطط تمويلها، وهي تسعى دوما للحفاظ على علاقات جيدة مع اللجان الرقابية بما يشمل حصور جلسات الاستماع وتقديم الوثائق المطلوبة لتفادي وضع تشريعات مرهقة على ميزانياتهم.

من جهة أخرى، يمكن أن تجعل سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب مهمة ترامب في تقويض عمل لجنة مولر أكثر صعوبة، وقد استغل الرئيس زخم الانتخابات النصفية من أجل الإطاحة بوزير العدل جيف سيشنز بسبب رفضه مساندة ترامب وتحجيم تحقيقات التدخل الروسي، ومن المنتظر أن تكون خطوة ترامب التالية هي إغلاق تحقيقات مولر بشكل كلي، وهنا يمكن لمجلس النواب إجراء تصويت مبكر على تشريع يهدف لحماية لجنة مولر، ورغم أن هذا التشريع يتطلب موافقة مجلس الشيوخ الذي يسيطر عليه الجمهوريين، فمن غير المرجح أن يخاطر النواب بشعبيتهم لعرقلة تشريع يهدف لتحصين تحقيقات مستقلة.

وتبقى الأداة الأكثر فعالية لمجلس النواب هي قوة الموازنة(9)، حيث ينص الدستور على أنه لا يمكن سحب أي أموال من الخزانة العامة الأمريكية دون اعتمادات من المجلس، وهو ما يمنحه سلطة كبيرة للتأثير على السياسة، وقد استخدم الكونغرس الجمهوري نفسه صلاحية الموازنة لضبط سياسات ترامب العام الماضي، حين حاولت الإدارة إلغاء مليارات الدولارات من أموال المساعدات الخارجية وتخفيض ميزانيات وزارة الخارجية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، بعد أشهر من توقيع ترامب قانون الاعتمادات الذي يمولها، وفي مواجهة غضبة الكونجرس، اضطر بيت ترامب الأبيض للتراجع مباشرة.

كل الطرق تؤدي إلى ترامب

ويبقى الأمر الذي يستحق المراقبة حقا هو مدى قدرة الإزعاج الذي سيسببه الديمقراطيون على الأرجح على التأثير على سياسات إدارة ترامب بشكل حقيقي في ملفات الصدام، وإذا ما كان مجلس النواب الديمقراطي سيكون راغبا حقا في تصعيد المواجهة حول السياسات مع الرئيس الذي يخطط لاستخدام الديمقراطيين كدمية للركل في طريقه نحو فترة ثانية في البيت الأبيض.

وسوف يكون ملف التجارة والتعريفات أولى جولات هذه المواجهة المرتقبة، حيث يرغب الديمقراطيون في ممارسة رقابة أكبر على أجندة ترامب التجارية من خلال عدد من الاقتراحات، على رأسها إمكانية السعي للحد من السلطات الممنوحة للرئيس، بموجب المادة 232 من قانون توسيع التجارة لعام 1962، والذي يعطي ترامب صلاحية فرض التعريفات الجمركية باسم الأمن القومي، ولكن، وكما يشير تحليل لشركة الاستخبارات الأمريكية “ستراتفور”، فإن هذا المقترح فقد زخمه بعد الاتفاق المعروف باسم “يوسمسا”، الذي توصلت إليه الولايات المتحدة وكندا والمكسيك مطلع أكتوبر/تشرين الأول المنصرم كبديل لاتفاق التجارة الحرة لأمريكا الشمالية “نافتا”.

فمن المقرر أن يمنح(10) الاتفاق الجديد وصولا أكبر للمزارعين الأمريكيين إلى سوق الألبان الكندي، في حين سيخفف تعريفات ترامب على السيارات الكندية، ويبقى بشكل مبدئي على التعريفات الموضوعة على الصلب والألومنيوم. ومن المرجح أن يسهم هذا الاتفاق، إِضافة إلى رحيل الجمهوريين المناهضين لسياسة ترامب التجارية، في تقويض جهود الكونغرس الديمقراطي لفرض قيود قادمة على استخدام الرئيس للتعريفات في صراعاته التجارية، ليس فقط مع الصين ولكن أيضا مع الاتحاد الأوروبي واليابان.

لكن سيطرة الديمقراطيين على مجلس النواب ستضع على الأرجح ضغوطا كبيرة على إدارة ترامب في قضية الهجرة، حيث يقاوم المشرعون في مجلس النواب مطالب الإدارة بتمويل الجدار الحدودي مع المكسيك وإلغاء نظام تأشيرات التنوع (الجرين كارد)، كما سيعارض النواب اقتراحات ترامب بتخفيض ميزانية المساعدات لأمريكا الوسطى، وهي أداة يستخدمها البيت الأبيض للضغط على حكومات هذه البلدان لمنع مواطنيها من عبور الحدود الأمريكية المكسيكية بشكل غير قانوني.

أما على صعيد السياسة الخارجية، فسيكون هناك العديد من الملفات التي يمكن للكونغرس الجديد التأثير فيها وعلى رأسها العلاقة مع السعودية. وفي الوقت الحالي، لا يوجد الكثير من المؤيدين في الكابيتول هيل للسعودية وعلى الأخص لسياسات ولي العهد السعودي “محمد بن سلمان”، خاصة في أعقاب واقعة قتل الصحافي السعودي “جمال خاشقجي”، لذا يمكننا أن نتوقع أن يركز الكونغرس جهوده في كبح جماح علاقة الإدارة مع السعودية وهو ملف يلقي قبولا بين الحزبين.

وسوف يكون إنهاء أو تقليص الدعم الأمريكي لحرب اليمن هو المحطة الأولى(11) في مراجعة العلاقات السعودية الأمريكية. ونجت الرياض بالكاد من تشريع، اقترحه النائبان بوب مينديز وكريس ميرفي في مجلس الشيوخ في مارس/آذار الماضي، لوقف الدعم الأمريكي لحرب اليمن بعد أن نال 44 صوتا في المجلس (من إجمالي 100 عضو). وقد تم إعادة انتخاب مينديز وميرفي مجددا، وصارا معززين بالعديد من الأصوات التي غيرت موقفها تجاه الرياض مثل السيناتور المخضرم ليندسي غراهام، إَضافة إلى الزخم الذي سيخلقه النواب الديمقراطيون الجدد مثل “إلهان عمر”، الفائزة بمقعد ديمقراطي عن ولاية مينيسوتا والتي انتقدت مبيعات الأسلحة للسعودية خلال حملتها الانتخابية، إضافة إلى توم مالينوفسكي، وهو مساعد سابق لوزير الدولة لشؤون الديمقراطية وحقوق الإنسان والعمل، وقد كان صوتًا قويًا ضد دعم السعودية في حرب اليمن.

بخلاف ذلك، يمكن أن يسعى الكونغرس إلى تعليق أي صفقات أسلحة قادمة إلى السعودية والإمارات العربية المتحدة خاصة منظومة الدفاع الجوي للمناطق المرتفعة “ثاد” التي ترغب السعودية في الحصول عليها، إَضافة إلى خطط توريد مقاتلات الجيل الخامس من طراز “إف -35” إلى الإمارات، ولكن هذه الخطوة من المرجح أن تواجه بفيتو رئاسي من قبل ترامب وتحتاج إلى توافق كبير بين الحزبين من أجل تطبيقها.

وعلى نطاق أوسع، سيكون لدى السعودية وغيرها من منتجي النفط الرئيسيين أسباب للقلق بشأن مشروع قانون يزيل الحصانة السيادية لمنظمة أوبك من قوانين مكافحة الاحتكار الأمريكية. ورغم أن ترامب لم يخف استياءه العلني من أوبك في أكثر من مناسبة، فإنه لم يحدد موقفه من هذا القانون بعد، حيث يبدو أن ترامب لا يفضل وضع قيود على سياسته الخارجية من خلال تشريعات دائمة، لكنه يميل للعمل من خلال الضغوط الشخصية والمراسيم الإدارية التي يمكن التراجع عنها أو تخفيفها مقابل ثمن مناسب.

من المرجح أن سياسة ترامب تجاه الصين تلقى دعما كبيرا من قبل الحزبين، حيث ظل الكونغرس تاريخيا أكثر تشددا من الإدارات الأمريكية تجاه السياسات الصينية

رويترز

وعلى صعيد ملفات السياسة الخارجية الأخرى، من غير المرجح(12) أن تواجه الإدارة تحديات كبرى من قبل المشرعين، ورغم أن الكونغرس الديمقراطي ربما لن يكون راضيا تجاه آراء إدارة ترامب وتوجهاتها نحو إيران، فإن معظم السياسات الإيرانية الحالية تقع في نطاق نفوذ السلطة التنفيذية. أما سياسة ترامب تجاه الصين، فمن المرجح أنها تلقى دعما كبيرا من قبل الحزبين، حيث ظل الكونغرس تاريخيا أكثر تشددا من الإدارات الأمريكية تجاه السياسات الصينية، وهو متخم بالصقور المعادين للصين أمثال “كوري غاردنر” و “ماركو روبيو” و “إد ماركي”.

من المنتظر إذن أن يكونا العامان المقبلان زاخرين بالمواجهات الملحمية بين الإدارة والمشرعين، لكن هذه المواجهات، مع بعض التنازلات التي ستضطر إدارة ترامب لدفعها من سياستها لمواجهة ضغوط النواب الديمقراطيين، تبقى أثمانا مقبولة وزهيدة بالنسبة لترامب طالما سيبقى طريقه إلى 2020 آمنا بشكل كبير. فمن غير المرجح أن يتمسك(13) ترامب بسياسة بعينها إلا بمقدار ما يمكن أن تجلب له من التأييد من قاعدته الشعبية، وإذا كان الرئيس مضطرا لتغيير بعض نقاط جدول أعماله مع رمي الكرة في ملعب الديمقراطيين، فإنه سيرحب بذلك بكل تأكيد.

يمكننا من اليوم إذن أن نتوقع الخطوط العريضة الدعائية لحملة 2020 بالنسبة لترامب، فالديمقراطيون في مجلس النواب هم من جلبوا أي ركود متوقع في الاقتصاد وليس العجز المتضخم وبالتالي ارتفاع أسعار الفائدة وانخفاض الطلب الناجم عن زيادة التعريفات، والديمقراطيون هم من عرقلوا ميزانية الإدارة وجدول تشريعاتها اللازم للعمل، وهم من أنفقوا جهدهم في تتبع أخبار كاذبة حول الرئيس وأسرته وعلاقته من الروس والسعوديين بدلا من دعم أجندة الرئيس المصممة لخدمة مصالح الأمريكيين، وهي كلها أقوال سيروجها على الأرجح عند حلول اللحظة المناسبة.

تلقي الانتخابات وترامب بالكرة في ملعب الديمقراطيين إذن، وإذا ما كانت جهودهم في وضع أنشطة ترامب وأسرته وسياسات الإدارة تحت المجهر، وإفراز بدائل مناسبة يمكن أن ترضي تطلعات الناخبين في 2020 ولا تكون مجرد استجابة لطموحات اليساريين الراديكاليين في الحزب، ولكن حتى ذلك الحين فإن نتائج الانتخابات النصفية لن تمثل أكثر من صداع في رأس ترامب، لكنه صداع محتمل جدًا بينما يسير في طريقه ثابتا إلى فترة رئاسية أخرى في 2020.

عن mohamed