الرئيسية 8 الشبكة الاخبارية 8 اقوال الصحف 8 قنبلة تحت البساط … صحف
قنبلة تحت البساط … صحف

قنبلة تحت البساط … صحف

في كل صباح حين أفتح النافذة في بيتي في الكيبوتس، أرى أمامي المشكلة الفلسطينية. فهي موجودة، حاضرة ولا تعتزم الرحيل إلى أي مكان، وفضلاً عن ذلك فإنها كبرت وتعاظمت، وأصبح حلها أكثر تعقيدًا. أشك في أن يكون دونالد ترامب وبنيامين نتنياهو يفهمان ما أراه من النافذة. وحتى لو فهما، فإن سلوكهما في الغالب معاكس، خطر وضار. 
الحقيقة هي أن ليس عندي ما ألوم به الأمريكيين الذين قرروا أن يهينوا، ويذلوا، ويطردوا، ويخجلوا السلطة الفلسطينية دون أن يشيروا في هذه الأثناء إلى بديل مناسب. كما ليس لي شكاوى إذ أني لم انتخبهم وإن كنت أعرف بأننا نحن وأولادنا سندفع الثمن على هذه السياسة التي تدفع المجتمع الفلسطيني إلى الحائط وتحول الأمل بمستقبل آخر إلى يأس كبير واحد.
زميلي، بن كسبيت، نشر هنا في العددين الأخيرين مقابلتين مهمتين؛ الأولى مع إيهود باراك، المحلل الأعلى ذي التجرية، والثانية مع صائب عريقات، الذي كان في السنوات الأخيرة جنديا مخلصا لمحاولات التسويات مع إسرائيل ويبدي الآن يأسًا تامًا ويعد «باللقاء في الجحيم». من عندي من شكاوى هي تجاهنا، لأنفسنا، لزعامتنا، لاعلامنا (نعم، نعم) وللمجتمع الإسرائيلي. فمتى نفهم بأننا نعيش مع قنبلة موقوتة تدس سنة تلو سنة تحت البساط؟ متى نفهم بأن علينا أن نأخذ مصيرنا في أيدينا؟ متى تتجرأ حكومة في إسرائيل على أن تعرض خطة كبرى متعددة السنين لاتفاق مع الفلسطينيين، أو على الأقل خطوط توجه للمفاوضات؟ 
صحيح أن ليس كل شيء منوط بنا، وهناك الزعامة الشائخة في الطرف الآخر، التي ليس مؤكدًا أن بوسعها أن تتخذ القرارات وتوفر البضاعة، وثمة تحريض وإرهاب وحماس، ولكن على إسرائيل أن تضمن ألا يتبدد الأمل بمستقبل أفضل، وأن يشعر الشباب الفلسطيني بأن جيرانهم يفهمون أمانيهم ويبحثون عن حل مناسب. إن ثمن السياسة، (أو انعدام السياسة) لدى إدارة ترامب تجاه السلطة سندفعه نحن، كلنا. وفي إسرائيل، بدلامن الخوف، وإبداء المسؤولية، والقلق على المستقبل ـ أصوات فرح ونشوة، وكأن بنا نذهب إلى النوم في كل مساء في ميريلاند أو في نيوجيرسي وليس في غوش عصيون، وفي لاهفوت حبيبا أو في كفار سابا، وفي القدس، وفي يد مردخاي. 
أتذكر جيدًا اليوم الذي وصلنا فيه لأول مرة إلى المحادثات مع مندوبي «م.ت.ف» في طابا. كنا عصبة من الضباط ورجال المخابرات بقيادة نائب رئيس الأركان في حينه، اللواء أمنون ليبكين شاحك الراحل، ممن ألبسونا البدلات وأرسلونا لإجراء المفاوضات الأولى بين إسرائيل والفلسطينيين على «غزة وأريحا أولًا». 
وبخلاف التقديرات، فإن الجليد بين الوفدين انكسر بسرعة. نبيل شعث، رئيس الوفد الفلسطيني، تبين كرجل لطيف ومثقف ويتحدث الإنجليزية بطلاقة. أما اللقاء المشوق والمشحون أكثر فكان بين «مقاتلينا» ـ شاحك، عوزي دايان، يوم توف ساميا وآخرين ـ وبين كبار المخربين السابقين، وبينهم واحد من مخططي مذبحة ميونخ، أمين الهندي، ورئيس المعسكر الصقر في فتح في حينه محمد دحلان وغيرهما، ولكن جئنا للحديث عن السلام وعن التسويات. ومنذ اليوم الأول، في وجبة الغداء، سألني دحلان من هو ايلان شي، النائب العسكري الرئيس. قال إن شيئًا قد أدخله إلى السجن وطلب أن يجلس إلى جانبه في وقت الوجبة. بعد 25 سنة منذئذ. منذ المحادثات في طابا، التي استغرقت نصف سنة، رافقت أيضًا حملة «قوس قزح» لإخلاء مدن الضفة و«اتفاق الخليل»، وشاركت مع نتنياهو وعرفات في قمة «واي بلانتيشن». في معظم السنين تمت الاتصالات والمفاوضات من جانب إسرائيل بنية طيبة، بأمل وفي ظل إظهار الاستعداد لحلول وسط أليمة. في حالات أخرى كان الهدف التسويف والمماطلة. وكانت المشكلة الأكبر دومًا في الجانب الفلسطيني باستمرار التحريض والتعليم المضاد لإسرائيل، ودعم الشهداء وأبناء عائلاتهم وغيرها. ليست نزهة في حديقة. 
فرضية العمل لدي هي أنه في إسرائيل وفي السلطة على حد سواء، 90 في المئة من الجمهور يتفقون على 90 في المئة من المواضيع، وأن طبيعة الإنسان هي أن يتأكد من أن يعرف أين يعمل في النهار، وماذا يأكل في المساء، وأين ينام في الليل. بنو البشر يريدون الأمن وإحساس الأمن، والاستقلالية الأساسية، والديمقراطية، والثقافة ونمط حياة عادي وطبيعي. قبل 25 سنة لطابا، كضباط عسكريين بتكليف من حكومة إسرائيل، حلمنا، أملنا، أردنا، شعرنا بإجراء التاريخ ـ لم يقرر أحد في الطرفين بأن هذه ستكون على هذا القدر من الطول، هذا القدر من الصعوبة، وأن النزاع سيجبي آلاف الضحايا الآخرين، عشرات آلاف الجرحى وسنوات طويلة من الإحباط. 
على حائط مكتبي ثمة شهادة تقدير معلقة على دوري في المفاوضات مع «م.ت.ف»، وفي رأس الشهادة شعار الدولة، وموقعة من أمنون ليبكن شاحك الراحل. لم أفكر في أي لحظة بأن أنزعها عن الحائط. فهذه جزء من مسار حياتي وجزء مما هو أنا وما أؤمن به. فأنا أؤمن بأن على الزعامة أن تتجرأ وأن تحاول وأن تبحث عن كل شق وكل مساء، وألا تترك حجرا على حجر في البحث عن السلام، مثلما ورد في التوراة «اطلب السلام واسع له». أحيانا يكون هذا أسهل، وأحيانًا يكون طويلًا، صعبا ومليئا بالعذابات، ولكن اليأس محظور، فحتى لو تلبث فسيأتي.

آفي بنيهو
معاريف 21/9/2018

عن mohamed