الرئيسية 8 تقارير الشبكة 8 محرقة رابعة.. مشاهدات من الذاكرة
محرقة رابعة.. مشاهدات من الذاكرة

محرقة رابعة.. مشاهدات من الذاكرة

مقدمةٌ لابدّ منها
يبدو لي في كل تكرار سنوي للرابع عشر من أغسطس “محرقة فض ميدان رابعة العدوية” أنه قد خلى وِفاضي من الحديث والذكرى، أني قد تجاوزت حقيقة الشهود أو أنه قد تمكنت مني لامبالاتي فلم يعد الأمر أكثر من يومٍ ثقيل سيمر، لابد أن يمرّ.. لكن العيون التي لم يجفّ مجرى دمعها مع كل ذكرٍ لهذا اليوم، كل حديثٍ عن اثني عشر ساعة من الجحيم والخوف، كل سؤالٍ عن حكمة وجودي في الميدان وقد كنت على وشك الرحيل، هي فقط دقائق فاصلة صرت بعدها حبيسة الرصاص المصبوب والموت المحموم وكل هذا الألم والحزن الذي سَكن روحي ولم يبرحها.. لم أعد أنا، ولم تعد كلماتي ذاتها وأظن ألا شفاء أو دواء غير حِكاية نقابل بها الله، حينها يكون البَراء مما لا نملك وصفه الآن بكل ما أوتينا من كلمات.

(1)
كانت الشمس قد شارفت على شروقها ونحن ننتظر في السيّارة استعداداً لمغادرة ميدان رابعة العدوية، ولأن سهراً طويلا سبق هذا الصباح في إعداد بعض المواد الإعلامية فقد سرقتني غفلة استيقظت منها على صوت قنابل الغاز تتساقط من كل اتجاه مع طرق عنيف على الحديد وأعمدة الإنارة لتنبيه المعتصمين ببدء “عملية إخلاء الميدان”.. كيف يمكننا هنا وصف “الرعب” الذي أحاط مشهداً كهذا.. غاز حارق يأخذ طريقه لتعبئة الأجواء، صوت الرصاص والصراخ، فوضى الصدمة والتِيه، كل هذا ولمْ تَكد الشمس تستقر في مشرقها بعد!

انتقلنا بالسيارة إلى داخل “كردون التأمين”؛ تخبرني صديقتي فيما بعد -وقد احترقت سيارتها يوم الفضّ- أن تحركنا بالسيارة كان فرصتنا الوحيدة للنجاة من سيل الرصاص المنهمر من حولنا، تأكد ذلك بوصولنا إلى “مسجد رابعة العدوية” حيث كانت الإصابات تتوالى إلى المشفى الميداني. يطوي المرء أوجاعه قدر المستطاع حتى يمكنه المُضيّ في طريق الحياة متخففاً من أعباء حَملها، لكني لم أستطع تجاوز وجه ذلك الرضيع الذي وقد تاه عن أمه فـحملته غالب اليوم على يداي، يغطّ الولد في سُبات عميق فنوقظه قلقاً عليه من الاختناق بالغاز الذي ملأ غرفة المسجد، أو الإغماء من حرارة أغسطس وقد تكدست ساحته بالمنتظرين على وَجَلْ.

كيف أنسى يديه الباردتين وأنفاسه المتقطعة وصراخنا بـ “منديل وخل” نسعفه به من الاختناق وكلما حملت صغيري واستشعرت دفء جسده بين يدي أتذكر تقاسيم وجهه المتعبة وجسده الواهن، بل كيف أتحلل من سؤالٍ مؤرق عن مصيره وقد اضطررتُ للخروج من المسجد بعد أن استبد به البكاء جوعاً فأخذته سيدة أخرى لإرضاعه مع وعدٍ بالبحث عن أمه فور أن تهدأ الأوضاع.. أكاد أقسم، لازال صدى أنينه حتى اليوم في أذني!

(2)

في مواطن ضعفك وقد اقتربت منك الهزيمة وحاصرك رجائك بالمعجزة يكون لمعنى “النُصرة” وجه آخر، لا يحمل منطقاً أو وعياً بنتائجه بقدر ما تحتاجه لتطمئن أنك لم تُخذل تماماً، وأن هناك من يهتم لأمرك، حتى إذا متّ على قارعة معركتك فإذ لم يكن هناك من يحمل سيفك فعلي أقل تقدير يبقي من يحمل نعشك؛ بهذا أفهم التكبيرات العالية مع كل خبر بمسيرة تأخذ طريقها نحو الميدان، يتناقل الناس الخبر بـفرح بالغ وكثير من الامتنان والانتظار، كانت الشمس قد توسطت السماء ومئات الشهداء في كل شبر من حولنا واليقين بأنهم قد جاءوا لقتلنا ومع ذلك لا تُخطيء سراباً متوهماً في العيون بأنّ جموعاً هادرة ستحمي البقية! وهذا مما تنوء بحمله النفس، أن ترى الأمل الكاذب في القلوب الصادقة!

كنا قد حُشرنا في زاوية غرفة ضيقة بمركز رابعة الطبيّ بعد أن اقتحمته قوة عسكرية وأغلقت أبوابه بمدرعاتها ولا سبيل للنجاة، الرصاص يتطاير بعشوائية.

كنت قد انتقلت من المسجد إلى المركز الإعلامي المقابل له بحثاً عن صديقتي التي تُنسيها كاميراتها نفسها، خِفت عليها وكنت أظن أنه يمكنني حمايتها من مغامراتها الطائشة فلا طاقة لي بالتصالح مع فقدها، أو ربما مع العجز تتمسك أكثر بدورك في حماية الآخرين أو بوجهٍ آخر تحمى نفسك من ألم مضاعف. وهناك، كان الانهماك على أشدّه، بين تكفين الجثامين وتطبيب الإصابات وتوثيق البيانات، ارتكنت إلى حائط على أن أفهم ما يحدث حولي، هل هذا حقيقي فعلاً! كل هذه الدماء، كل هذا القتل والفزع، هل يوجد في الدنيا كل هذا الإجرام والوحشية، وبالمقابل، كل هذا القدر من الإيمان والسموّ والتضحية ودفع الكُلفة برجولة كاملة!

(3)
كانت الشمس قد مالت إلى المغيب، ظننت أنه لا نهاية لهذا اليوم الطويل، بالفعل لم يكن يبدو له أفق غير الموت الذي صار على مرمى حجرٍ من روحي. كنا قد حُشرنا في زاوية غرفة ضيقة بمركز رابعة الطبيّ بعد أن اقتحمته قوة عسكرية وأغلقت أبوابه بمدرعاتها ولا سبيل للنجاة، الرصاص يتطاير بعشوائية والمجهول يحلّق فوق الرؤوس لا أحد يعلم مصيره، في هذه الأثناء تنبّهت أني قد نسيت بطاقة هويتى، لو متّ لن يعرفني أحد، لن يصل جثماني لأهلي، تملكتني الفكرة تماماً، سأموت وحيدة لا يسترني كًفن ولا يصلي علىّ قريب أو حبيب، اقترحت إحداهن أن نكتب أسمائنا وأرقام هواتفنا على باطن أيدينا، أخرجت قلماً جافاً تبادلناه بيننا، نكتب الاسم ورقم الهاتف ومحل الإقامة.. قد تهيأنا بهذا للموت المتراقص بيننا.

لـحكمة يعلمها الله نجوتُ برفقة صديقتي، وحتى وصلت إلى بيتي في اليوم التالي لم أبكي، فقط عندما رأيت وجه أمي واطمأنيت إلى دفء حضنها أخذني نحيب طويل، لم يتكرر بعدها، ولم أعد أنا بعد هذا اليوم كما قبله.. أبداً!

عن ahmed

اضف رد

لن يتم نشر البريد الإلكتروني . الحقول المطلوبة مشار لها بـ *

*