الرئيسية 8 تقارير الشبكة 8 أزمة فرنسا بعيون عربية

أزمة فرنسا بعيون عربية

بعد انتهاء الانتخابات الرئاسية في فرنسا عام 2017 بفوز إيمانويل ماكرون، انشغلت وسائل الإعلام العربية بمعلومات تافهة عن شكل وعمر الرئيس الجديد، والفارق العمري الكبير بينه وبين زوجته، دون أن تلتفت مطلقاً إلى خلفيته السياسية، أو حتى إلى دلالة نتائج الانتخابات، التي منيت فيها الأحزاب التقليدية في فرنسا بخسارة كبيرة.

ورغم أن الانتخابات التشريعية الفرنسية كانت بعد أشهر قليلة من الانتخابات الرئاسية، وأفرزت نتائجاً مماثلة وغير مسبوقة، أدت إلى خسارة ساحقة لكل من الحزب الاشتراكي الفرنسي – يساري- الذي ينتمي إليه الرئيس الفرنسي السابق فرانسو هولاند، وحزب الجمهوريين -يمني- والذي ينتمي إليه الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، فإن الإعلام العربي ظل منشغلاً بالاحتفاء بالرئيس الأصغر سناً بتاريخ فرنسا، ولم يعطي أي اهتمام لخسارة أحزاب تقليدية وتاريخية بهذا الحجم.

وفي الوقت الذي أراد فيه الشعب الفرنسي بهذه النتائج، أن يرسل رسالة غضب تحذيرية إلى جميع الأحزاب الفرنسية وقادتها، مفادها بأنه غير راض تماماً عن الوضع السياسي للبلاد، ويريد تغييراً حقيقياً لا شكلياً، ظلت وسائل الإعلام، محتفظة بنهجها في الحديث عن قطط القصر الرئاسي، والمواقف المحرجة التي يتعرض لها ماكرون، دون أن تلقي بالاً للغضب الشعبي المتزايد من الأوضاع الاقتصادية السيئة التي تعيشها البلاد.

هذه النظرة العربية المختزلة للغرب عموماً، وللأحداث السياسية خصوصاً، لم تأتي من فراغ، بل هي حصيلة طبيعية، فماذا يجب أن نتوقع من مواطن نشأ في ظل تفوق هيمنة غربية مطلقة
والأغرب من كل ما تقدم، أن وسائل الإعلام ومن خلفها الموطن العربي، امتلكت إصراراً رهيباً على عدم التعلم من الدرس الفرنسي، وجل ما استفادته من الأمر، هو نقاش عقيم بين طرفين، أحدهم شامت بالديمقراطية الغربية، ورأى في ما حدث فرصة ليسمعنا اسطوانات مشروخة حول زيف الديمقراطيات الغربية، بينما انشغل الطرف الآخر، باتهام العرب والأفارقة بالوقوف خلف المظاهرات، وراح يعيد لنا المعزوفة الشهيرة عن روعة الجماهير الغاضبة، وعبقرية الحكومة الفرنسية في تناقضات مضحكة مبكية تعكس الطريقة الكارثية التي نرى ونحلل بها الأحداث السياسية.

طبعاً لم يكلف أحد نفسه عناء البحث بالأسباب الحقيقية التي أدت إلى المظاهرات، ولم ينشغل ولو شخص واحد في تحليل الأزمة من منظور سياسي أو اقتصادي أو حتى كروي، لأننا ببساطة لا نحب الحقائق، ولا نريد أن نعرفها، وكل ما نريده هو نشر نظرياتنا المسبقة عن الديمقراطية الغربية، واستغلال الحدث لنشر نكتة هنا، أو إشاعة هناك. مثلاً، لم يقل لنا أحد إن فرنسا سجلت أعلى مستوى في العالم لفرض الضرائب على الشعب، بنسبة تجاوزت الـ 49 بالمئة من الدخل القومي، وتحولت خلال العقد الماضي إلى دولة ديمقراطية غير تنموية، لا تعرف طريقاً لحل مشاكلها الاقتصادية، سوى بجباية الضرائب، ولم يلتفت أحد إلى حقيقة أن الحكومة الفرنسية غيرت أولوياتها من النهوض الاقتصادي والسياسي إلى ملاحقة المحجبات، ومكافحة الإرهاب واللاجئين.

كل هذه الحقائق لم تجذب أحد، فالمواطن العربي لا تجذبه سوى نظريات المؤامرة، والنقاشات العقيمة، ولا يهمه لماذا تثور أو تغضب الشعوب، فهو يملك إجابات جاهزة مسبقاً في عقله، حول كل شيء يجري في هذا العالم، لأنه ينظر إلى غرب من زوايتين لا ثالث لهما، نظرة تقديسية لا تتصور وجود أي خطأ، ونظرة غاضبة كارهة تنتظر سقوطه المبشر به من الشيوخ وكتاب التاريخ. هذه النظرة العربية المختزلة للغرب عموماً، وللأحداث السياسية خصوصاً، لم تأتي من فراغ، بل هي حصيلة طبيعية، فماذا يجب أن نتوقع من مواطن نشأ في ظل تفوق هيمنة غربية مطلقة، سوى تقديس المتفوق أو صب غضبه عليه. ماذا يمكن أن نتوقع من مواطن، يصحو ليل نهار على أحاديث المؤامرات وصفقة “القرن”، والشتم المتواصل للغرب حتى من الحكومات والدول المتحالفة مع الغرب، سوى الشماتة به وانتظار الفرصة لانهياره.

وبالمناسبة، فإني لست حزيناً على الشماتة في فرنسا، ولا أتوقع من المواطن العربي الذي عانى من نير الاستعمار الفرنسي والغربي، أن يبدي حزنه، ولكن هذا لا يمنع أن ننظر للأحداث السياسية بنظرة موضوعية، فالتقديس المطلق الذي يضيفه البعض على الدول الغربية، لا يقل فداحة عن أولئك المبشرين بالثورة في فرنسا، وكل ما في الأمر أن علينا ننظر للأحداث بعين المحلل لا بعين الراغب المتمني.

أنس عبدالرحمن

عن mohamed